أسماء عقوني: أبجديات - patharabia

Last posts أحدث المواد

السبت، 13 فبراير 2021

أسماء عقوني: أبجديات

أسماء عقوني


أسماء عقوني

(مسابقة: طموحات الشباب العربي)

لتكتب تحتاج أن تلامس السماء وقدماك متشبثة بارض صلبة.. هكذا قامتك الأدبية تطول لتتسع الرؤية، وتضيق العبارة وتتكثف وتهطل حبراً يشبع لهفة القارئ. تحتاج أن توقظ داخلك جنية الحب، هي حذرة بقدر لهفتها لتذوق النور.. تخاف لعنة الفراق، وتحاول على مر دقات العمر أن تفك تعويذة الباب الموصد أمام كل من يغازل روحها.. 

تحتاج حياة جمعت الآلاف من الحكايات المدونة، أصابع غزلت من الورق مراوح بقدر تقليبها للسطور.. تحتاج جدراناً من كتب، لأنه لا مكان للثياب المعلقة ولا للأثاث ولا لمزهرية تأخذ كل هذا الركن.. بل تلتف حولك الكتب، ولا يبقى لك سوى حيز لنافذة وباب.

تحلق بلا جناحين ولا حتى تذكرة، لن يرى روحك سوى قلمك، لن يصف المكان والزمان الذي كنت فيهما سواه. لهذا ستدون في بياض الورق ما يقال عنه جنون المحلقين في ذواتهم.

لا يوجد هنا توقيت ونظام وتنميق لطاولة، ولا حتى كوب قهوة وأغان دافئة، كلها طقوس أفتعلها لتشتهي ما أكتبه وأجعل له رائحة ولوناً وطعماً. لكني في الحقيقة كتبت وأنا لا أسمع سوى صدى من شاركتهم حياتهم في زمان ومكان اخترته لفتح الكتب.

القصة تغزل من خيوط الذاكرة، تنسج البداية ولا نختار متى ولا أين ستنتهي.. نتابع التفاصيل مثلكم ونتفاجأ مثلكم ونبكي مثلكم في نهاية السطر.. الكتابة حالة.. هي تقاطعات بين مواقف عدة وسطور قرئت لأيام طوال.. هي العبق الذي يبقى من نزهة في عالم من ورق..

الكتابة مغامرة، ولتغامر بالبوح يلزمك الكثير من الحماسة لأنك ستجمع خيبات عديدة لتدسها بين السطور، وكذلك يجب أن تتقن طيّ مشاعر تمتزج بين فرح وحزن لسنين في ثنايا الذاكرة، وتعيد ترتيبها منظمة ومرتبة بين السطور. ولا ننسى خيالاً يجعلك تأخذ من شغف البدايات، وستكون النهاية، من لون وطعم الأشياء، ومن الشخوص دفء وجودهم أو برودة الغياب.

الكتابة ليست فضفضة لأن هذا يحيل اللغة إلى كلام عادي، بل هي أن أجعلك معي بكل ما أعيشه من لفظ، أن تغادر وتلف عوالم من ورق في رحلة أعلن بدايتها بالكتابة وتعيشها أنت بالقراءة.

الكتابة أن لا أعود كما كنت قبلاً، بل أتبعثر بين الصفحات، وتلمّني نهاية السطر.. أن تكتب، فإنك تعلن جنوناً عاقلاً، بحيث تخرج عن المألوف.. لا يجب أن تكون عادياً، ولا متوقعاً، لأنك ستحول النص إلى سطور جوفاء، تكتب لتكتب، وترص الكلمات بلا تشويق ولا حبكة، لأن من يعيش هذيان الكلمات المدونة لن يجد أجمل من نصوصه المشاغبة.

أن تكتب، لا يعني أن تبقى وحيداً في غرفة مغلقة بإحكام، بل أنت في غمرة الحشد تعتزل أفكارك لتدونها قبل أن تتبخر.. تسابق الخطوات، وتتأمل خيوط السعادة، تغزل من الوهم، وتجمع ما يتبقى من وعود متناثرة في مساءات الحب.. ليست الكتابة بياناً ولا بديعاً نزين به صوت القلم.

ليس شرطاً أن تتقن العزف على نوتات النغم ونهايات متجانسة تتراقص حروفها.. بل المهم أن تملك الإحساس وصدق السرد.. أن تقترب من شغف القارئ بقدر بعدك عن تقييد مخيلته.. هو المزج بين دقة الوصف وغموض التفاصيل لأنك تمنحه بهذا فضولاً للمتابعة، وتنقل روحه إلى كلماتك المدونة، لتبلله حبات المطر، ويسمع أصوات الأطفال، ويرتعب من دوي الحروب، ويبكي حرقة الفقدان.. ويعيش غمرة اللقاءات.

الكتابة ليست مشروعاً نخطط له، ليست مهمة قيد الإنجاز وفق خارطة زمنية، بل هي حالة تعيشها، وتجعل كل من يتصفح هذه الكلمات يغادر معك، ويرجع محملاً بكثير من عبق الحروف.

* أستاذة فلسفة وطالبة دكتوراه في جامعة وهران، الجزائر.







ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.