د. عامر ممدوح: حدثني التاريخ فقال: يا أيها الشاب - patharabia

Last posts أحدث المواد

الخميس، 18 فبراير 2021

د. عامر ممدوح: حدثني التاريخ فقال: يا أيها الشاب

د. عامر ممدوح


د. عامر ممدوح *

(مسابقة: طموحات الشباب العربي)

كنتُ وقتها تحملني أمواج الضياع مثل الملايين! أركض لاهثاً، باحثاً عن ملاذ آمن.
تائهٌ وسط صحراء الحياة، متعثرة خطواتي تحت سياط شمسها اللاهبة.. صارخاً ـ مثل جبرا ـ في ليلٍ طويل.
ووسط طوفان التيه العميق، لاح لي من بعيد، بهيئته الوقور، وعصاه الثابتة الأركان، ووجهه العطوف الذي افتقدته منذ زمن..
مسح على رأسي، ساكباً الطمأنينة في روحي، وأجلسني تجاهه..
من انت أيها العم؟ سألته.
ألا تعرفني؟ كان هو الجواب!
أنا الماضي السحيق، والأفق البعيد، مدرسة العبر، والفوائد والفرائد والدرر!
أنا التاريخ يا ولدي، وجئتك من الماضي بالنبأ اليقين!
قلت: هات ما عندك فقد أتعبني اقتفاء الأثر!

* * *

حدثني التاريخ، فقال يا أيها الشاب:
بضاعتك هي الأمل، وهواء حياتك هي العزيمة، والإصرار هو سلاحك، وكل الطموح مشروع ما لم يكن إثماً، واليأس هو عدو النجاح، فليبقى عدواً.
لا تنكسر مهما جابهت من عقبات، فمن للحياة وأنت وقودها، وصانع حاضرها، ومؤسس مستقبلها؟

ثم أمسك بيدي مستدركاً وقال:
ولكني يا ولدي لا أريد لك أن تتعجل قطف الثمار، فالنجاح أساسه وضوح الطريق، وتدرج الخطوات، ومشوار الألف طموح يبدأ بخطوة، والتحليق في عوالم الخيال مصيره السقوط السريع، فلا أريدك أن تُلقى سريعاً في بئر الندم، أو مراكب الموت المجانية...
لا أريد لنبضك أن يتوقف!
حياتك بناءٌ، فاعرف كيف تؤسس له، والنجاح هو بصمتك وتأثيرك في مسارات الحياة، لا في كسبٍ سريع من مال وشهرة كذوب، فليست هي الأساس.
ولا تصدق كل ما يقال، ولا يخدعنك المخادعون، إذ سحروا أعين الناس.
ولا تنسَ خمساً وتجنب خمس:
لا تنسَ: الأمل والعمل والطموح والعزيمة والإيمان.
وتجنب: اليأس والكره والغضب والبناء في غير أرضك والذوبان.
وتذكر: أنه لا قيمة لأي نجاح من دون أن تكون لك هوية، ومبدأ، ورؤية، ومشروع.. من دون أي يكون لك وطن..
فلتكن أنت الوطن.

* * *

ثم غاب فجأة وصدى صوته يردد قول دنقل:
"هل ترى..؟
هي أشياء لا تشترى".

* أستاذ التاريخ الإسلامي في الجامعة العراقية، كلية الآداب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.