أحمد عفيفي: قبول الآخر ضمان التخلص من الطائفية - patharabia

Last posts أحدث المواد

الثلاثاء، 30 مارس 2021

أحمد عفيفي: قبول الآخر ضمان التخلص من الطائفية

أحمد عفيفي 

أحمد عفيفي *

(مسابقة محاربة الطائفية في العالم العربي)


يشير الخالق جل وعلا إلى واقع البشر حين يقول "وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا"، ويقصد عزّ وجلّ هنا في محكم آياته البشر مجتمعين، ناهيك عن "مجموعة دينية" تحظى بنفس العقيدة واللغة والرقعة الجغرافية، مجموعة دينية تحتل عقيدتها المرتبة الثانية بديانات العالم على الأرض، ويكون تعدادها خمس سكان الكوكب تقريباً.


ماذا تظنون أني فاعل بكم؟ يسأل الرسول الكريم المشركين الذين اضطهدوه قرابة ثلاثة عشر عاماً، وحاولوا قتله، واضطروه للرحيل من أحب بقاع الأرض إلى قلبه وبيته ومسقط رأسه ويجيب: اذهبوا فأنتم الطلقاء. يسأل الرسول عن اليهودي الذي تعهد بإيذائه يومياً حين غاب عن عادته، ويعوده في بيته حين عرف بمرضه.. يستعين الرسول الكريم بتكتيكات الحرب الفارسية بالخندق، ويأخذ بمشورة سلمان الفارسي الحربية، يقبل الرسول الكريم كل الناس والآراء من دون غضاضة أو تمييز أو تحيز أو إقصاء.

الفاطميون في ميثاق دولتهم الرسمي - حسب الروايات - لم يكونوا دعاة للتشيع؛ وكان الجامع الأزهر منارة للمذاهب الأربعة على قدم المساواة، وعلى امتداد قرنين ونصف القرن من الزمان لم يقطعوا احتفالات الديانات الأخرى كأعياد النيروز وغيرها، واستلهموا من الفرس صناعة الطنافس أو السجاد، وكان للجميع حق المواطنة بالمساواة؛ المسلم والمسيحي واليهودي وحتى المجوسي، في دولة استقرت حواضرها العامرة مئتي واثنين وخمسين سنة.

وزير السلطان صلاح الدين الأيوبي ومستشاره السياسي المقرب كان ابن ميمون اليهودي، ومشيد مسجد أحمد بن طولون بالقاهرة مهندس مسيحي، والعالم المسلم الموسوعي عباس بن فرناس كان أمازيغي.

قبول الحضارة الإسلامية للتنوع العرقي وتعدد العقائد كان أحد أعظم أسباب قوتها وبقائها واستمرارها.

الطائفية كلمة غريبة دخلت تاريخ الحضارة الإسلامية بعد قرابة ألف عام على ظهور الإسلام، وقرابة ثمانمئة عام على استقرار المسلمين في الأندلس، وكانت السبب الرئيس لزوال دولة الإسلام هناك، حين تصارع ملوك "الطوائف" على مقاطعات منفصلة بائسة لم تصمد بمواجهة الزحف الإسباني.

الطائفية كلمة لا مكان لها في الحضارات المتقدمة حالياً بالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وهي حضارات قائمة بالأساس على مفهوم التنوع العرقي والتعايش، وهو المفهوم الذي تبنته الحضارة الإسلامية منذ بدايتها حتى انهيارها. ويمكن القول إن الانهيار جاء من دخول تلك الكلمة تحديداً، فالطائفية والقومية والشعوبية، وكل تلك المترادفات هي ما أودت بتفكك الكتلة الواحدة القوية الجبارة المتماسكة التي كونت حواضر الحضارة الإسلامية ومدنها العملاقة، تلك المدن التي تفوقت منذ قرون على مثيلاتها الآن في حواضر العالم الأول.

قبول الآخر، الذي بحقيقته ليس آخر، بسنيته أو تشيعه وعاداته وثقافته واحترامها هو الضمان الوحيد الحقيقي لطرد تلك الكلمة من قاموس اللغة العربية، والأراضي العربية، والحياة العربية، تلك التي تضم شعوباً تتحدث بلسان عربي واحد، وتسكن بوادٍ عربي واحد، وتدين بدين حنيف واحد.

* روائي ومحرر محتوى بموقعي الحب ثقافة وويكي، مصر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.