أشرف عامر: نحو عالم بلا طائفية - patharabia

Last posts أحدث المواد

الخميس، 1 أبريل 2021

أشرف عامر: نحو عالم بلا طائفية

أشرف عامر


أشرف عامر *

(مسابقة محاربة الطائفية في العالم العربي)

على مسافةِ شهقةٍ منْ أيِّ شمعةٍ مضيئةٍ يمكنُ أنْ يقبعَ جيشٌ من الظلامِ كبيرٌ، لكنَّه –وبرغمِ حشدِه الهائلِ- يقفُ عاجزاً كلَّ العجزِ أمامَ هذه الشمعةِ المفردةِ.

هكذا الطائفيةُ.. يمكنُ أنْ تُطلُّ كماردٍ يحبسُ أنفاسَ الشعوبِ، لكنَّها مع قليلٍ من التنويرِ تذهبُ أدراجَ الرياحِ..

يكمنُ السببُ في هشاشةِ الطائفيةُ في كونِها تسيرُ عكسَ الفطرةِ التي جُبِلَتْ عليها الإنسانيةُ. فالإنسانُ بطبعِه كائنٌ اجتماعيِّ، يَميلُ إلى التقاربِ، والتآلفِ. ويستمدُ منهما أقوى شعورٍ يحتاجُه منذُ الأزلِ وهو الشعورُ بالأمنِ.

والطائفيةُ مرضٌ اجتماعيٌّ قبلَ أنْ تكونَ مرضاً دينياً. بلْ لا أظنُّها مرضاً دينياً بالمرَّة: فالأديانُ في جوهرِها محاولةٌ جادةٌ لتوجيهِ الإنسانِ في طريقِ فطرتِه، وتصالحِه مع نفسِه ومحيطِه بشراً أو غيرَ بشرٍ..

وهكذا يمكنُنا القولَ إنْ الطائفيةَ مرضٌ اجتماعيٌّ أصابَ أهلَ الدياناتِ، وليستْ مرضاً دينياً أصابَ أهلَ المجتمعِ.

كما أنَّ حصرَها في قالبٍ واحدٍ يزيدُ منْ فجاعتِها، لوجودِ قريناتُها في قوالبَ أخرى غيرِ مسلطٍ عليها الضوءُ..

فبجانبِ الطائفيةِ الدينيةِ، هناك الطائفيةُ العرقيةُ، والسياسيةُ، والأيدولوجيةُ، والطبقيةُ. وهؤلاءِ جميعاً سلالاتٌ متنوعةٌ لمرضٍ واحدٍ، وأسماءٌ شتَّى لمسمًى وحيدٍ. وجميعُها – وبلا استثناء – قادرٌ أنَّ يُخلِّفَ حجماً من الهلاكِ مخيفاً، وجرحاً في المجتمعاتِ غيرَ ملتأمٍ.

والطائفيةُ يُمكنُ أنْ تكونَ سلوكاً جماعياً يقودُه موروثُ أفرادٍ (كما حدثَ في أوروبا قديماً، ويحدثُ في بعضِ مناطقِ الشرقِ الأوسطِ حالياً)، ويمكنُ أنْ تكونَ موروثاً جماعياً يترجمُه سلوكُ أفرادٍ (كما حدثَ مع جورج فلويد العامَ المنصرمَ). والمثالانِ للقياسِ، لا للحصرِ.

إنَّ هذا البرزخَ المكتظَ بالجثثِ والذي نحاولُ عبورَه معاً يداً بيدٍ لخيرُ دليلٍ على فجاعةِ الطائفيةِ وما تحدثُه في المجتمعاتِ منْ نكباتٍ..

ويمكننُا محاربتُها بمحاربةِ الآتي:

أولاً: الجهلُ، وهو الأرضُ المُثلى لغرسِ أي تطرفٍ.

ثانياً: الفقرُ، الذي يدفعُ المرءَ إلى توهمِ علاقةٍ بينَ وضعِه الماديِّ وبينَ معتقداتِه أو عرقِه.

ثالثاً: العزلةُ، وهي الحلقةُ الأقوى في أيِّ عداءٍ فكرياً كانَ أو عسكرياً أو حتى نفسياً. فانغلاقُ أيِّ مجموعةٍ على نفسِها كفيلٌ بأنَّ يجعلَ كلَّ ما هو غيرُ مقنعٍ عن الأخرينَ مقنعاً، وكلَّ ما هو غيرُ صحيحٍ يبدوَ صحيحاً.

كمْ منْ أحلامٍ على أغصانِ المواعيدِ أجَّلتها الطائفيةُ إلى أجلٍ غيرَ مسمًى.

وكمْ منْ ضحكاتٍ ودَّعتْ وجوهاً لِما فعلتْ الطائفيةُ بأصحابِها.. فلا تركتْ نافذةً تلوحُ إلى الغدِ، ولا غداً يربيه الطيرُ على أكتافِ النافذة..

يشتد ظلام، لكني سأراهن على شمعتي....فماذا عنك؟

* بكالوريوس هندسة، مصر


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.