عماد عبدالتواب: إعادة التجذر وفهم الواقع من دون أحكام معلّبة - patharabia

Last posts أحدث المواد

الاثنين، 3 مايو 2021

عماد عبدالتواب: إعادة التجذر وفهم الواقع من دون أحكام معلّبة

 

عماد عبدالتواب

عماد عبدالتواب *

(مسابقة ما يريده جيل الشباب من الإعلام العربي)


ربما قبل أن نعمد إلى ما يريده جيل الشباب من الإعلام العربي ينبغي علينا ابتداءً أن نعرف خصوصية جيل الشباب الحالي عمن سواه، وإذا اتضحت الخصوصية التكوينية لهذا الجيل ستتجلى خصوصية المُراد من الخطاب الإعلامي الموجه له.

إننا جيلٌ بلا هزائم كبرى وبلا نكسات واضحة، فربما لم يمر بعضنا بحروب ضخمة في تكوينه الابتدائي قبل الربيع العربي ولا نكبات كارثية لبلداننا، ولكننا بغرابة نشعر بهزيمة ما؛ هزيمة نفسية خفية تسري تحت جلودنا، هزيمة ثقافية أورثنا إياها الانفتاح المتسارع الذي غمرتنا به ثورة الوسائط الاجتماعية. قد يبدو لك أنه جيلٌ يشعر بالإحباط، برغم توفر سبل تحقيق إمكاناته واتساع آماد تتبع الفرص ولا تناهي سقف الممكن أمامه، وكأن إحباطنا هو إحباط افتراضي، تماماً كتلك المساحة الأكبر من عالمنا الافتراضي.

فالسمة الرئيسة لهذا الجيل هو (الافتراضية)، هذا الواقع البديل، العالم الموازي المتحقق هناك على شبكات التواصل، عالمٌ لم يسلكه قبلنا والدٌ، ولم نجد أثر أقدام لحكيم مجرب نتبعها. فهو عالم جديد بالكلية، جديدٌ بعُقدِه وجديدٌ بتحدياته وجديدٌ بهمومه، وجديدٌ بكل ما يسحقه من هشاشة دواخلنا.

فمثلاً تركيزه على الصورة والمظهرية، وكيف تضغط على اهتزاز الثقة داخلنا، وتركيزه على اللهاث وراء الإنجاز وكيف يضغط على شعورنا بالتقصير والصوت الذي يلاحقنا وينهشنا صارخاً: "لست كافياً كما أنت"، وتمزقنا داخله بين الرؤى والتناحر والتلاسن يعمِّق أزمة الهوية داخل كل منّا.

فما الذي يريده - فيما أرى- الشباب العربي؟ إنما نريد استعادة الشعور بالتجذر والانتماء، نتلهف لإنهاء حالة الاجتثاث والتمزق الذي غمرنا بها عالمنا الجديد.

لم تعد الرقابة ممكنة ولم تعد الوصاية قابلة للتحقق، ولكن الإرشاد لم يزل مفتحة له الأبواب، يتلمسه الشباب كل حين.

والإعلام هو المنبر الباقي والقادر على التسلل نحو حيرتنا، أن يحمل لنا المواساة والتعزية الممكنة التي تبدأ بتفهم واقعنا من دون أحكام معلبة، ومناقشة قضايانا، ثم النزول بالمرشدين من أبراجهم العاجية نحو ثكناتنا بالعالم الافتراضي، فيوفر الإعلام جسر وصال بين أجيال فرقت بينها ثورة التقنية التي أجبرتنا أن نكبر أسرع مما ينبغي.

* طبيب بشري ممارس، مهتم بالكتابة، مصر


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.