هشام مصباح: التطرف جهل الذات واحتقار الآخر - patharabia

Last posts أحدث المواد

السبت، 29 مايو 2021

هشام مصباح: التطرف جهل الذات واحتقار الآخر

 

هشام مصباح


هشام مصباح *

(مسابقة آليات حماية الشباب من التطرف والإرهاب)


التطرف أحد أشكال التعصب السلبي في واقع الحياة الإنسانية التي ترفض كل مظاهر احتقار الآخرين، والنظر إليهم نظرة ذل ومهانة، نابعة من تجبر الذات وغلوها في فهم منطق الحياة الحقيقي وجوهرها الوجودي الذي يفتح المجال للحوار والتواصل وتأسيس عالم تعترف فيه الذات بذاتها أولاً، لتعوّد نفسها على رؤية غيرها من الزاوية نفسها التي ينظر بها إليها.

لذلك كانت كل أشكال التطرف مصدرها رفض الذات ونكرانها، وعدم الإنصات لصوتها الداخلي الذي يأبى دائماً كل تعدٍّ على الناس بغير وجه حق أو الإنقاص من قيمتهم وأفكارهم، ومن ثم غياب ميزان التساوي في كفتي الأنا والآخر بسبب الجهل المطبق الذي يعتري الذات ويسري في عروقها مسرى الدم، حيث يسود جهل مقدس يتبعه احتقار للآخرين على اختلاف توجهاتهم الفكرية أو العقائدية وغيرها من مجالات التمييز العنصري والتفرقة بين البشر على أسس واهية لا أساس لها من الصحة على الإطلاق.

فالتطرف مهما كان نوعه أو مبرراته مرفوض لأن حياة البشر ترفض الانغلاق وتفضيل فئة على أخرى، لذلك فهو صناعة إنسانية تغديها الكراهية باعتبارها السبب الأساسي لكل مظاهر التعصب والتطرف، فغياب المحبة معناه غياب الإنسان الذي توجه بكرهه نحو ذاته أولاً ثم إلى من حوله، فرفض التطرف يقتضي ضرورة الرجوع إلى الذات، فمعرفتها أولاً لأنها وحدها العلة والمعلول، وإذا عرفت العلة سهل التخلص من المعلول، ولن يكون ذلك متاحاً إلا من خلال إعادة قراءة واقعنا وأحوالنا، والإنصات من جديد إلى صوت الحق داخلنا الذي يعطينا الصورة الحقيقية التي يجب العمل على إخراجها إلى الواقع المعاش المشترك بيننا على اختلاف أعراقنا وأجناسنا وقيمنا وأفكارنا، ولن يكون ذلك إلا بتأسيس مفهوم الاعتراف بين الأنا والأخر، الاعتراف بوصفه رفض للاحتقار ومذلة الآخرين.. إنه قيمة أخلاقية ورباط لو تحقق زالت كل مظاهر التطرف الديني أو العرقي وغيرها. 

إن التطرف جهل تقوده الذات وتغديها الأحقاد التي يجهلها المتطرفون، فلو عرفوها حقيقة رجعوا إلى حالتهم السوية التي تقتضي العقد الطبيعي والاجتماعي والقيمي بينهما.

* دكتوراه في الفلسفة، الجزائر


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.