أمل يوسف: الكونشيرتو في حرية الإعلام - patharabia

Last posts أحدث المواد

الأربعاء، 5 مايو 2021

أمل يوسف: الكونشيرتو في حرية الإعلام


أمل يوسف


أمل يوسف *

(مسابقة ما يريده جيل الشباب من الإعلام العربي)

لا يمكنني تجاوز ذلك الكونشيرتو الذي لم ينغص قوة تحريكه لمشاعر الجماهير سوى سعال ذلك الرجل الكهل بين ‏الفينة والأخرى، وكأنه يتعمد تخريب تلك الجلالة. لا يمكنني تجاوزه أبداً، حتى وأنا أضع قدمي في عتبة الدخول إلى ‏الاستوديو لتسجيل حلقة عن القانون والإعلام‎.‎

كانت هناك فتاة سمراء تعزف على الكمان، كانت حليقة الشعر بملامح أنثوية جعلتها مثيرة جداً، وحين تفتح عينيها ‏تتبعاً لارتفاع صوت المقطع الموسيقي، كنت أرى عينين واسعتين جميلتين. يعبر منهما اللحن حتى أصابعها، فالكمان.. ‏ثم يقبع داخل قلوب المستمعين‎.‎

القانون والإعلام؟ تلك القوانين التي تقيدنا، تجعلنا ‏كإعلاميين محكومين بالحقيقة القانونية لا الواقعية. متى يتحرر الإعلام لنخرج من الرمزية ونصرخ بأعلى صوتنا. ‏هذا ما يتمناه كل الشعب، بما فيهم جيلنا جيل الشباب، أن يمتلكوا روح الثورة. ‎

يقول صديقي معترضاً: سيكون العالم فوضوياً وليس حراً‎..‎

كانت تلك جملة تشبه كل جمل السياسيين‎: حق التظاهر مكفول، ولكن وفق القانون منعاً للفوضى‎.‎

ومن ذا الذي يعرف للقانون حدوداً، وهو الذي يسنه المنتصرون دائماً‎..‎

قلت لصديقي ذلك، ورأيته يجر نفساً من الأرجيلة وينظر للبعيد كما لو كان ينظر للمستقبل ثم قال وجانب أنفه الايمن ‏يرتعش‎:‎

- انظر يا صديقي.. عليك أن تكون واقعياً.. هذا العالم تأسس على الصراع لا على السلام.. فإما أن تفعل مثلنا.. أي أن ‏تقبل بقيوده، أو تتحول لثائر فوضوي وحينها سيلفظك النظام منبوذاً مدحوراً كسيراً خائباً.. وستدرك أنك كنت خاسراً ‏طيلة الوقت‎..‎

ثم التفت نحوي وقال بعينين براقتين‎:‎

‎- ‎لا يوجد شيء اسمه إعلام حر.. حتى ذكرك لهذه الأرجيلة في مقال سيعرضك لحجب مقالك‎..‎

ثم طلب لي كوب شاي‎..‎

لا بد أن يكون هناك إعلام حر، وحر أي خارج المؤسسة، إعلام مفلتٌ من الأنساق حقاً، وهارب من سيطرة القوى ‏الجبارة السياسية أو حتى تلك المتلبسة بثوب مدني‎.‎

‎- ‎أنت تحلم بالمستحيل؟

‎- ‎ليس مستحيلاً.. يجب أن تمتلك الشعوب الوعي الكافي.. ولن يتحقق الوعي إلا بحرية الإعلام‎..‎

نحَّى الأرجيلة جانباً وقال‎:‎

‎- ‎الروح الثورية ماتت.. وشبعت موتاً..هُزمت البشرية بهزيمة العرب.. وأقولها لك صدقاً‎..‎

نظرت إلى عينيه ورأيتهما مترقرقتين بالدمع‎.‎

نزعت سماعات الأذن وأغلقت هاتفي، وأنا أدلف إلى منزلي، كان الجو خانقاً في غرفتي‎. 

إعلام حر؟‎!‎

بدا لي ذلك مثيراً للسخرية‎..‎

عيناها واسعتان جميلتان كبحيرتين من بحيرات سافنا أفريقيا حيث تحيط بها الأجمات الخضراء، وعنف ‏البراري.. حيث الحرية‎.

‎يمنحنا الإعلام الحر قدرة على الهروب إلى الأمام.. مثل تلك البحيرات المفارقة لأجسادنا والمحايثة لأرواحنا.. فيه ‏سنعزف الكونشيرتو عشرات المرات.. كونشيرتو الرفض والمقاومة والثورة.. كونشيرتو الأمل.. والحرية.. هذا ما نتمناه‎..‎

* محامٍ وناشط حقوقي، السودان

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.