مجد أبو راشد: الإمباثي من سقراط إلى يونغ مروراً بالفاروق - patharabia

Last posts أحدث المواد

الأربعاء، 5 مايو 2021

مجد أبو راشد: الإمباثي من سقراط إلى يونغ مروراً بالفاروق

 

مجد أبو راشد


مجد أبو راشد *

(مسابقة ما يريده جيل الشباب من الإعلام العربي)

في البحث عن معنى الإمباثي ستتعدد الترجمات بين التعاطف أو التقمص الوجداني أو المشاركة الوجدانية

لكن هذا لا يؤثر على معناها فالإمباثي هي التعاطف للطرف الآخر سواء كان عدو أو مذنب أو مخطىء وذلك من خلال أن يضع الإنسان نفسه مكان الآخر بكل ما لدى الآخر من انفعالات ومعارف اكتسبها منذ نشأته.

بدأت معالم الإمباثي واضحة في فلسفة سقراط وربما يكون المفهوم أبعد من ذلك فنعود به إلى لحظة ندم قابيل عندما قتل أخيه هابيل، فهو شعر بالندم، وراح يعاقب نفسه على فعلته. والندم هي واحدة من خصائص الإمباثي، فإدراك الخطأ تجاه الاخر هو اكتشاف لما فعلناه من جرم بالآخر، لكن إذا ما أخذنا من سقراط المنطلق كونه أبو الفلسفة، فإننا نجد هذا المفهوم موجوداً لديه قبل أن يصل إليه علماء النفس والاجتماع، حيث أكد سقراط على الأضداد (أي إدراك الشيء من خلال نقيضه)، فهو أدرك معنى الإنسانية بأنها تحرر الروح من ملذات الجسد، ربما لا يتفق الجميع مع أن اللذة معاكسة للروح، ولكن ضمن نطاق فلسفة سقراط تبدو الفكرة معبرة عن التعاطف أو الإمباثي، فأنت بحاجة لأن تغرق في ملذات الجسد، والتي تمثل الشر لتدرك معنى الروح الإنسانية أو الخلاص الممثلة لطرف الخير. 

ورأى سقراط أن هذا الخلاص للإنسان يكون أثناء الموت، حيث تنفصل الروح عن الجسد، ولكن يمكن للإنسان أن يفصل الروح عن الجسد أثناء حياته، ويتحرر من ملذاته، وهذا ما يجعله فيلسوفاً حسب سقراط..  

بعد آلاف السنين استعمل يونغ كما ذكر في الكتاب الاحمر التخيل الفعال ليعيش تجربة الأضداد، فغرق في الأنوثة ليدرك الذكورة وغرق في اللذة ليدرك الروحانية، وغرق في التدين ليدرك اللادينية.. كل ذلك من خلال رحل خيالية كان يقوم بها بعقله باستخدام تقنية التخيل الفعال للبحث عن ذاته، فعاش ذاته بكل تناقضاتها ليدركها فذكر في الكتاب الأحمر: "أن تعيش ذاتك يعني أن تصبح أنت عبارة عن مهمتك الخاصة، لا تقل أن من الممتع أن تعيش ذاتك لن يكون الأمر مفرحاً بل سيكون معاناة طويلة لأن عليك أن تصبح خالق نفسك حينها إن كنت تريد خلق ذاتك فلا تبدأ بالأفضل والأسمى بل بالأسوأ والأعمق، لذا قل إنك تعارض عيش ذاتك".. 

إذاً من خلال معاناة الغوص في الأسوأ أدرك يونغ معنى ذاته الإنسانية، أدرك معنى الروح من خلال الغرق في الجسد، وهذا ما يحسب ليونغ ويؤخذ على فرويد حيث كان فرويد أسيراً للغريزة الجسدية بينما يونغ أضاف الروحانيات لنظريته التحليلية، فشملت مجالات أوسع في تكوين الإنسان..  ولكن بين يونغ حديثاً وسقراط قديماً بين المؤمن بالآلهة الإغريقية (يذكر أن سقراط لم يؤمن بتعدد الآلهة كما كان رائجاً عند الإغريق في عصره وهي إحدى التهم التي أدت إلى إعدامه) وكارل يونغ ابن القس المسيحي.. بينهما كان الفاروق عمر بن الخطاب والذي سمي بذلك لعدله فقد عطل حد السرقة في عام الرمادة وذلك لم يكن إلا من خلال وضع نفسه وجدانياً ومعرفياً مكان الفقراء من أمته، فكانت هذه واحدة من تجارب الإمباثي أو التعاطف في الإسلام وهو من قال (أعظم الناس أعذرهم للناس) وهنا نجد جوهر فكرة الإمباثي حيث أعظم الناس وأكثرهم حكمة من يعذر الناس على سلوكهم، فكل إنسان وكل سلوك يقف خلفه مجموعة من المثيرات الخارجة عن إرادته (مثل تربيته ومشاعره ومعارفه). فكلما عذر الإنسان الناس أكثر وصل لدرجة أرفع من الإنسانية.

إذاً بين ثلاث شخصيات مختلفة من عصور مختلفة وآيديولوجيات مختلفة نجد أن العامل الوحيد الذي يجمع الإنسانية هي الإمباثي أو التعاطف أي أن يقف الإنسان من عدوه أو أخيه الإنسان موقف الباحث المكتشف لأعماقه وليس موقف المعادي له لأسباب سطحية.

* إجازة في علم النفس وطالب دراسات عليا، فلسطيني مقيم في سوريا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.