وائل رداد: المصداقية الإعلامية عملة نادرة - patharabia

Last posts أحدث المواد

الأربعاء، 5 مايو 2021

وائل رداد: المصداقية الإعلامية عملة نادرة

 

وائل رداد


وائل رداد *

(مسابقة ما يريده جيل الشباب من الإعلام العربي)

في صغري، كان الاستخفاف بعقليات الأطفال أمراً اعتيادياً لا ضرر منه على شاشات التلفاز التي لا تبث منها سوى ثلاث محطات بالكثير، برامجها واضحة ومعتادة، الفترة المسائية عبارة عن قرآن يتلى، ثم موعظة قصيرة، ومن ثم ما ينتظره كل طفل بلهفة، مسلسله الكرتوني المفضل..

لم نعترض على مقاطعة الإعلانات للمسلسل الكرتوني في خضمه، كنا نتابع بشغف وترقب، ولدى انتهاء الحلقة ما قبل الأخيرة، نظل نفكر ونتخيل كيفية انتهاء القصة ذاتها في الحلقة المقبلة غداً..

ثم – وفي اليوم المنشود- تعرض الحلقة الأخيرة، لكن وقبيل انتهائها بدقائق، تظهر تلك المذيعة بغتة، وتأسف لمقاطعة، لا لنقل خبر مهم أو حدث بالغ الخطورة، بل لعرض سباق للقوارب الشراعية.

ونظل نحن نحدق في الشاشة بأفواه مفغورة وأعين جاحظة، ننتظر انتهاء السباق بحنق وسخط، على أمل أن يكملوا ما قطعوه علينا، بالطبع لا يوجد شيء كهذا، المسلسل انتهى فعلا لكننا نظل نتأمل لليوم التالي، بأن يتم إعادة الحلقة مثلاً، أو استكمالها على الأقل حيث توقفت، بالطبع لا شيء من هذا يتحقق لأنه – وبحسب المفاهيم الإعلامية في حقبتنا- مجرد طفل لا يفهم ولا يستوعب، ولن يكترث طالما عرضوا صوراً ملونة متحركة على الشاشة أيما كانت.

كبرنا وكبر الإعلام وتعاظم في حقبة الإنترنت، على الأقل تقنياً، فلم أعد أستوعب شيئاً مما يعرض، القنوات الإخبارية كلها تنافسية، بالغة التناقض لدرجة مغيبة للعقل، لا تدرك معها من مات ومن انتصر، من الظالم ومن المظلوم..

الإعلانات المكثفة – والتي طاردتني لحد موقع "يوتيوب" لا ترحم، تقاطع ذهني باستمرارية مكثفة وبعروض لا تنفد، فأفقد ذاكرتي تماماً بخصوص كنه ما أتابعه.. ماذا كنت أتابع بالضبط؟

أعتقد بأن طلب المصداقية الإعلامية بات من سابع المستحيلات، ولحسن حظي ثمة قنوات تعرض قديمي الثمين الذي لن يقدره سوى جيلي..

إذا كان ثمة مطلبٌ واحدٌ ممكن فهو إيقاف بث الإعلانات خلال فترة عرض هذا البرنامج أو ذاك المسلسل، وحبذا لو توقف كذلك خلال الاستماع لسيمفونية "بيتهوفن" الخامسة على "يوتيوب"!

* كاتب ورسام، أردني مقيم في الإمارات


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.