إيثار أيمن: ليس العلم مقتصراً على ما يتم تحصيله بالتعليم الأكاديمي - patharabia

Last posts أحدث المواد

الاثنين، 28 يونيو 2021

إيثار أيمن: ليس العلم مقتصراً على ما يتم تحصيله بالتعليم الأكاديمي

إيثار أيمن
 

إيثار أيمن *

(مسابقة طرق تعزيز التسامح والتعايش في المجتمعات العربية)


دائما ما تُراهِنُ أمي على عدم تحملي للمسؤولية كوني متملصة من الحياة الريفية بقوانينها، ولا ضير فلم أنتمِ يوماً إلى تلك الحياة برغم ولادتي بالريف.

ولكن الحق يقال، فبنات الريف دائماً ما يعملن بجدّ عشية وضحاها، فتراهن مستيقظات من الفجر مع عمل دؤوب كما النحل تتقن كلّ منهن عملها، فهذه تعجن وتلك تخبز، والأخرى تجهز الفطور.. بينما تعمل الأخيرة على التنظيم والأعمال السريعة. وتراهن يتناوبن أحياناً، فالجميع متقن لجميع الأعمال، والجميع مثالي، والجميع لا مثيل له، وليس كمثله الجميع ممن لا يقطن الريف.

هكذا يَراهُنّ الأغلب، بل ولا يمكنهم رؤيتهن على غير هذا الحال، ظناً منهم بأن تأخرها عن العشرين بالزواج ليس منطقياً، لإيمانهم بأن إتقان العجن والخبز يؤهل الفتاة كل التأهيل لتكون مسؤولة وواعية وأُمّاً مثالية تملأ بطون أطفالها إلى أن يقيموا مباراة لصاحب الـ"كرش" الأكبر.

والذي لا يعرفه الأغلب أن ذلك الزمان قد ولى عهده واندثر، بل وأصبح أسطورة تحكيها الجدات لأحفادهن قبل النوم، فأذكر أن جدتي كانت تصف كيفية حملها لجرة غاز فوق رأسها وجرتان أخريتان في كلتا يديها والسير بها فوق الجسر المهترئ.

وفي يومنا هذا، صديقاتي الريفيات لا يتقن أغلبهن صنع الخبز، ولا يستطعن التفرقة ما بين "المعكرونة بالبشاميل" و"النغريسكو". والكثيرات منهن متفوقات في مجالاتهن الدراسية على نقيض البعض من مدللات الحضر.

فليست معضلة إن لم تتقن الفتاة شيئاً من المهارات الحياتية المقدور على تعلمها مع الزمن، كما يظن الباحثون عن طاهية لتكون زوجة، بل المعضلة حقاً ألا تتقن الفتاة كيفية تربية نشء صالح، فالتربية والتغذية كما المستقيمان المتقاطعان، لا يمت كل منها بصلة للآخر، غير أنهما يلتقيان في نقطة التقاطع، والتي بدورها تكمن في إنشاء مؤمن قوي.

ومن هذا المنطلق يمكننا القول إن الفتاة لا يمكن أن تكون طاهية فحسب، وثقافتها بغير الطهي لا تجعل منها غير مسؤولة.. وعدم ثقافتها بفنون الطهي العصرية وعدم تفرقتها ما بين"البانيه" والـ"ستربس" لا يمنعها من أن تكون ربة منزل يعتمد عليها..

وعلى هذا السياق يحضرني موقف لإحدى الزميلات، كانت دائماً ما تقول بأن براعتي بالمطبخ على حد وصفها خسارة في مجتمع المدينة، وكان يجدر بي الحياة الريفية أكثر، فبادرتها بذكر عدم مقدرتي على صنع الخبز، فصاحت قائلة:"هو في بنت مبتعرفش تخبز! أمال هتتجوزي إزاي!"، فَعلا صوت ضحكي الساخر من تلك العبارة التي جعلت مني خسارة على الريف لا المدينة ما بين لحظة وأختها.

فما الفائدة من إتقان الفتاة لطحن القمح، بينما لا تفقه في دينها شيئاً.. فللقمح طحانون متخصصون يسقطون عنها فريضة طحنه، بينما فريضة تعلمها لشرائع دينها لا يسقطها عنها شيخ..

ثم إن حفظ الفتاة للقرآن الكريم وشغفها بالقراءة واستزادتها من العلم النافع واطلاعها على التكنولوجيا لا يجعل منها زوجة فاشلة.. فما الفائدة من بطون ممتلئة وعقول خاوية؟

وليس العلم مقتصراً على ما يتم تحصيله وفقاً للتعليم الأكاديمي المعتاد، بل لربما كانت أمية لا تعرف القراءة، وتجدها ملمة بعلوم شتى، ولربما لم ترَ يوماً مدرسة، وتجدها تقرأ الفصحى أفضل مني ومنك. فالشاهد أن تعلم العلم الشرعي والدنيوي لا يتنافى مع تعلم المهارات المنزلية بأي شكل من الأشكال ولا يرتبطان أيضاً. ولا فرق بين ريفية أو حضرية في كونها يجب أن تكون ملمة بالأمرين مع تفاوت النِّسب.

* طالبة جامعية بكلية دار العلوم، مصر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.