جنى سليقة: التّسامح كضرورة مطلقة لتسوية مجتمعاتنا - patharabia

Last posts أحدث المواد

الاثنين، 28 يونيو 2021

جنى سليقة: التّسامح كضرورة مطلقة لتسوية مجتمعاتنا

 

جنى سليقة



جنى سليقة *

(مسابقة طرق تعزيز التسامح والتعايش في المجتمعات العربية)


بات لزاماً على بعض المجتمعات العربيّة أن تستنهض قدراتها لصناعة التّعايش وإدارة التّنوّع لديها، لا سيّما في ظلّ دواعٍ ملحّة تتمثّل باتّساع رقعة الصّراعات والاحتقانات الدّاخليّة وشيوع الجريمة والفساد والتطّرف العنيف داخلها. والتّعايش السّلميّ أو التّسامح هو فضيلة إنسانيّة تثري العلاقات وتعترف بالاختلافات بين البشر، من دون أن تلغي حقّهم أو حريّتهم في الاختلاف.

إنّ المجتمع المتعايش يقوم بمجمله على مجموعة مفاهيم وقيم محوريّة هادفة. أول هذه المفاهيم هو الثّقافة ومعرفة الآخر، لأنّ الجهل بالآخر يولّد تصوّرات مغلوطة نحوه، ويجعلنا نرفضه. وهذه الثّقافة تتحقّق بالقراءة وبتذوّق الفنون والآداب كونها تصقل الأحاسيس وتهذّبها، وبالمخالطة الإنسانيّة ومعايشة مختلف النّاس ليتأتّى لنا تقييم الآخر بشكل عادل، وبالتّمسك بالقيم الدّينيّة والأخلاقيّة الّتي تُجمع على أهميّة التّسامح. وثاني هذه المفاهيم هو تقدير التّنوّع باعتباره قيمة مضافة تثري المجتمع ولا تنتقص منه. بالإضافة إلى ضرورة تحقيق المساواة بين الأفراد واعتماد الحوار كصيغة سلوكيّة اجتماعيّة وكتعبير أسمى عن التّعايش.

وهذه المفاهيم لا تترسّخ داخل أي مجتمع إلّا بتضافر جهود فئاته المختلفة. أولاً، تقع المسؤوليّة على التّنشئة المدرسيّة والأسريّة. على المدارس أن تحتفي بالتّنوّع والتّعدديّة وأن تطوّر المناهج والأساليب الدّراسيّة على هذا الأساس. وعلى الأهل والمدرّسين، معاً، أن يشكّلوا مثلاً أعلى للطّلاب، وأن يوفّروا الدّعم النّفسي لهم، لأنّ الشخصيّة المضطربة تتشرّب القيم السّلبيّة، ويصبح من الصّعب إصلاحها. ويتعيّن على مؤسّسات الإعلام والمؤسّسات الدّينيّة ومؤسّسات المجتمع المدنيّ أن تدعو للتّسامح الدّينيّ والثّقافي والاجتماعيّ من خلال نبذ خطاب الكراهيّة وتنظيم بمحاضرات وندوات هادفة، وتكوين تكتّلات شبابيّة في الجامعات والمنتديات تدعم التّبادل الحضاريّ وتنفتح على العالم أجمع. ويبقى أن تكرّس الدّول التّعايش بمعالجة المشاكل الاجتماعيّة والاقتصاديّة للأفراد، وبتطبيق القوانين، وضمان الدّيمقراطيّة وحريّة التّعبير، وإتاحة الفرص أمام الجميع لتنمية مواهبهم وتحقيق ذاتهم علميّاً وعمليّاً.

ختاماً، علينا أن نواجه الحرب بالسّلم، والتطرّف بالتّسامح، والصّراخ الّذي لا يفضي إلى شيء بالحوار الهادئ المتعقّل. لأنّ التّعايش ضرورة مطلقة لتسوية العلاقات الإنسانيّة داخل مجتمعاتنا، ولأنّ غيابه يعني بالضّرورة نبذ الآخر وإقصاءه، ويولّد بالتّالي الكثير من الصّراعات الجانبيّة والولاءات الفرعيّة الّتي تهدّد القيم الوطنيّة والإنسانيّة، وتبثّ العنف والفوضى.

* طالبة جامعيّة تخصص فيزياء، مهتمّة بالكتابة، لبنان

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.