خديجة فنسوني: كلنا حماة التسامح والتعايش - patharabia

Last posts أحدث المواد

السبت، 26 يونيو 2021

خديجة فنسوني: كلنا حماة التسامح والتعايش

 

خديجة فنسوني



خديجة فنسوني *

(مسابقة طرق تعزيز التسامح والتعايش في المجتمعات العربية)



لطالما كانت سماحة الإسلام تسع الجميع.. لطالما احتضنت الاختلاف وقابلته بالصدر الرحيم. فقد دأب الفاتحون منذ فجر الإسلام على مجادلة غيرهم بالحسنى، ودفع الضُّر عنهم، وفق منهج إنسانيٍّ قويمٍ يُرسي قيم المساواة والحرية، في السلم كما في الحرب. ولعل فتح الأندلس خير دليلٍ على سماحة ديننا الحنيف، إذ جمع تحت جناحيه الديانات الثلاث لزمنٍ طويلٍ، أينعت سنواته بتزاوجٍ اجتماعيٍّ وفكريٍّ وسياسيٍّ، جعل من شبه الجزيرة الأيبيرية منارةً علميةً يؤمُّها الداني والقاصي.

ولكنّنا اليوم، نشهد انفلات الأمور من عِقالها، إثر اختلاط الأوراق وتلاحق الأزمات، واتساع الهوة بين الحاكم والمحكوم، وتسيُّد الأحزاب ذات الانتماءات الجهوية والأيديولوجيات المتحجرة التي تستدعي كل ما هو تقليدي لتسيير كل ما هو حديث، ممّا جعل بعض الأنظمة العربية تتآكل داخلياً. فتفشت الكراهية واستعر الاحتقان الاجتماعي في بعض المجتمعات، ليغيب التسامح والتعايش، وتحل محلهما الصراعات الطائفية والحروب الأهلية التي تُعلي ثالوث القطيعة والتعصب والاستعلاء العرقي. وهكذا، وُلد جيل معطوب، ومنعزل عن واقعه الاجتماعي والديني والثقافي، وأصبح التقوقع من أخطر الأنماط السلوكية المهددة للحمة الوطنية والقومية.

وإنّنا لمعنيون جميعاً بحماية هذه اللحمة، ولن يتأتى ذلك إلا بتنمية الذكاء العاطفي للأفراد عبر ترسيخ التفكير الإيجابي والتصالح مع الذات لبلوغ السلام الداخلي، وتشجيع التواصل مع الآخر وتقبل اختلافه بالبحث عن الاهتمامات والفضائل المشتركة. وإنّ إحياء الكشافة والمخيمات الصيفية سيُمكن من الاحتكاك بالآخر واكتساب مشاعر الغيرية. كما أنّ تشجيع الرحلات الطلابية بين دول المنطقة، سيسمح بالتعرف على تقاليدها وأعرافها، وسيمحو التصورات النمطية الموروثة بين المذاهب والثقافات القَبَلية.

ويجب اكتساب مرجعيات فكرية متنوعة، بتذوق شتى الفنون والآداب الداعية إلى الأخذ بأخلاقيات التقدم والانفتاح، حتى تتبلور بصورتها الواقعية فتُؤهل المرء ليتأمل الحياة من زاويا مختلفة تنأى به عن الوقوع في فخ المغالطات الإدراكية.

وصفوة القول، يبقى ترشيد الفتوى ضروريا لتصحيح ما حُرِّف، وكذلك تنظيم دورات تدريبية للمرشدين والمساعدين الاجتماعين لإشاعة روح التضامن. فضلاً عن تسخير الإعلام لتقريب المذاهب المتصارعة والأقليات المتنافرة، عبر رسم رؤى سلمية تُصالح الأجيال وترتقي بالتسامح إلى الإخاء، فكلنا حماة التسامح والتعايش، فرداً أو جماعة، أقلية كنا أو أغلبية.

* باحثة ومهتمة بالكتابة، المغرب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.