موراد عريش: الحياة أقصر من أن نفنيها في التنمر والبغضاء - patharabia

Last posts أحدث المواد

الجمعة، 2 يوليو 2021

موراد عريش: الحياة أقصر من أن نفنيها في التنمر والبغضاء

 

موراد عريش

موراد عريش *

(مسابقة طرق تعزيز التسامح والتعايش في المجتمعات العربية)

لم نكن لنستوعب ونحن صغار كلام مدرس الصف الخامس حينما ضرب لنا مثلاً بطير مهاجر ضلّ الوجهة وانفصل عن السرب، ووجد نفسه في مكان لا يعرف فيه أحداً، وبين سرب جديد قد حلّ في موطن جديد. 

علّق المدرس خلالها بأن الطيور على أشكالها تقع.. فهمناها، الكل معرض للتيه والخطأ، وأسلف برغم نشوب خلافات في البداية، إلا أنّه سرعان ما أصبح هذا الطير فرداً من العائلة.. علق أيضا أن الاندماج والتعايش فطري لدى كل الكائنات، في الهجرة الموالية تاه الطير من جديد، فوجد نفسه مع سرب جديد، وتعايش.. وهكذا أصبح هذا الطير يتيه في كل هجرة جديدة، ويتعرف على سرب جديد.. صارت له قوميات عدة وأوطان مختلفة.

بقيت قصة الطير تراودني، وكلمات المدرس يتردد صداها في أذني "تذكّروا القصة جيداً ستفهمون المغزى في حينه". بعد تخرجي صرت أصول وأجول في بلدان عديدة، كل مرة أحط في بلد جديد أتذكّر تيهان ذلك الطير المتعايش، لكني اكتشفت بأن التعايش السلمي ليس فطرياً عند كل الكائنات كما أخبرنا المدرس، فبمجرد أن تنزل في بلد أجنبي تبدأ سلسلة من القيود، حتى إن لم تتعرض للتنمر والمضايقات سترمقك الأعين ناطقة ما الذي أتى بهذا الأفريقي إلى هنا.. 

ليس البشر كالطيور، حتى أبناء جلدتنا، من تجمعنا معهم الألسنة والمعتقدات ينظرون إليك نظر المغشي عليه من التعجب، التعايش السلمي ليس هو فقط أن ترحب بي بصدر رحب داخل بلدك، بل ألا تخالج أنفاسك البتة أنني أجنبي، ألا تتصاعد إلى ذهنك سيالات حاملة شفرة توحي بأنني أفريقي أسمر، أو أنني آسيوي ذو عيون ضيقة، أو غربي أبيض فاقع لوني... لن نتعايش في سلم مادامت الحواجز والجوازات والبروتوكولات أمراً مفروضاً فرض العين، الجميع يتقاسم كوكب صغير جداً، فلماذا كل هذا التجزيء، تستحضرني هنا جملة قالها رائد الفضاء "فرانك بورمان": حين تصل أخيراً إلى القمر وتنظر إلى الأرض، كل هذه الاختلافات والسمات القومية ستندمج بشكل جيد، وستفهم المبدأ أن هذا لربما فعلاً عالم واحد، وستتساءل لماذا لا نستطيع أن نعيش كأناس محترمين.. 

المطلوب هنا هو القيام فقط بما يلزم، فالجميع ذاهب إلى الفناء، والحياة أقصر من أن نفنيها في التنمر والبغضاء والحقد والكراهية، والكوكب مركب صغير جداً إذا ما نظرنا إلى الكون الشاسع، فلما لا يتعايش الجميع في سلم وأمن وأمان، وهي ليست دعوة للقيام بالمستحيل، فلا أحد يطلب منك العيش في الماء وجعل التماسيح أصدقاءك، بل فقط كن إنساناً، ذلك الكائن الذي خلق على فطرة التسامح والتعايش ولم تغيره مساحيق وأراجيف العصر. 

كتبت في إحدى مذكراتي وأنا في أحد الفنادق في بلد شقيق رداً على مدرسي، فاز الطائر المهاجر الذي احتوته عشائر عدة، وخسرت أنا الإنسان داخل أوطاني وعشيرتي.

* أستاذ تعليم ثانوي، المغرب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.