عبدالجبار دبوشة: حاجتنا لبناء أجيال تبدأ بتشكيل خارطة مشاعر جديدة - patharabia

Last posts أحدث المواد

الثلاثاء، 6 يوليو 2021

عبدالجبار دبوشة: حاجتنا لبناء أجيال تبدأ بتشكيل خارطة مشاعر جديدة

 

عبدالجبار دبوشة

عبدالجبار دبوشة *

(مسابقة طرق تعزيز التسامح والتعايش في المجتمعات العربية)

طفلة بنصف جسد مشوّه بين يدي أبيها، أم تبكي ولدها المفقود منذ عشرات السنين.. هذه بضعة صور نمطية نتحاشاها على القنوات الإخبارية، أكبر ما يمكنك فعله حيال الأمر أن تقول لحامل جهاز التحكم "أرجوك غيِّر القناة". بضعة أرقام من أكثر من مئتي ألف قتيل في الحرب الأهلية بالجزائر، وأكثر من سبعة ملايين حالة تهجير في سوريا ومئة ألف قتيل.. ولن تبالغ بأي رقم تقترحه مخيلتك، لأنه في النهاية مجرد رقم.

بينما يهتز العالم لحادثة تفجير في إحدى الدول المتقدمة، لا يمكنك أن تلمس أيّ تأثير فعلي لكل المجازر المتكرّرة في العالم العربي. هذه إحدى أكثر صور الإنسانية فظاعة حين يتحول الإنسان إلى مجرد رقم تختلف عنه الإحصاءات والتقديرات. وبالطبع لا يمكننا التقليل من شأن خسارة إنسانية في أي مكان من العالم، لكن.. أليس الوطن العربي أيضاً جزءاً من هذا العالم؟

إن تكرار التجارب الفظيعة تجعل منها مشهداً دراماتيكياً مألوفاً، لا يولِّد أي ردة فعل حقيقية، مثل مسرحية أو فيلم تشاهده.. نتيجة لحروب دموية استمرت من دون هوادة، كنارٍ تشتعل في الهشيم، لا تنطفئ في مكان قبل أن ينتهي رماداً.. وتستمر سلسلة التناوب بين عديد الدول العربية، بين رماد ونار.. كنتيجة حتمية لتعصب أيديولوجي بسط نفوذه على العقول. يبدأ المشهد عادة بمصالح سياسية، وينتهي بخطابات عنصرية للقضاء على تصنيف أو جماعة محددة. كما يبدأ من طفل تربّى على الكراهية ونبْذِ كل من يختلف معه، ثم يكبر قليلاً ليتغذّى أكثر من منبر "الشيخ" ورفقاء الحي. إنّها منظومة اجتماعية متماسكة توارثت أفكاراً تعصبية تعيد اجترارها أجيال تلو الأخرى، وتنفجر في كلّ مرة بمجرد توفر الظروف الملائمة لاندلاع الحرب والدم، كوسيلة عن تنفيس باب الكراهية الدفينة.

لم تعد الخطابات الشاعرية والأغاني الوطنية كافية لتعزيز فكر التسامح والتعايش في بعض المجتمعات العربية، إنّنا في حاجة ملحّة لبناء أجيال جديدة تبدأ تشكيل خارطة مشاعر جديدة بإصلاح المنظومات التعليمية وسن قوانين صارمة لردع أي منبر يحرِّض على الكراهية. فعندما يتلقّى الطفل نظاماً تعليميّاً صحيّاً سيكبر ليسمع الآخر ويقول له: أنا لا أوافقك، لكنّك تستحق الحياة!

* يعمل في مجال التسويق والتجارة الإلكترونية، الجزائر


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.