رمضان سعد: التسامح والتعايش بين الواقع والمحال - patharabia

Last posts أحدث المواد

الأحد، 4 يوليو 2021

رمضان سعد: التسامح والتعايش بين الواقع والمحال

رمضان سعد

رمضان سعد *

(مسابقة طرق تعزيز التسامح والتعايش في المجتمعات العربية)

إن الحاجة هي مصدر كل الإبداعات البشرية منذ بدء الخليقة، حاجتنا إلى غذاء ودواء ومسكن وغيره من الماديات التي لا غنى عنها لأي إنسان أو مجتمع بشري.. وحاجتنا إلى الأمن والعدالة والرحمة والتسامح وغيرها من المعاني الروحية والأخلاقية.

غير أني أحبذ مفهوم الفعل أو الحدث على مفهوم الحاجة، لأن الأخيرة ليست سوى شعور، وجوده طبيعي وحتمي.

أما الوقائع أو الحوادث فهي التي يتولد عنها الشعور بالحاجة إلى شيء مادي أو قيمة معنوية كقيمة التسامح والتعايش بين البشر عامة.

هذا الشعور يدفعنا إلى إسقاط الفكر على الأفعال، وهو ما يتولد عنه استنتاجات، وبمرور الزمن كانت ومازالت تخضع هذه الاستنتاجات للبحث والنقاش.

وهنا تبدأ المعاناة الحقيقية الحية في تطور الفكر الإنساني بين المبدع والمتجمد.. بين الواعظ والمحقق.. بين الباحث والمتسلط.. بين عين العقل وتحجر الفكر، بل إنني أستطيع القول بين الإنساني واللاإنساني.

ونظراً لأن الأمر لا يحتاج سرداً لغوياً أو بلاغياً عن معنى مفهوم التسامح والتعايش، ولا لطرح كم الآثار المترتبة والمتراكمة فوق رؤوسنا نتيجة غياب فكرة التسامح والتعايش، لأننا نتألم جميعاً من آثارها، حتى الذين ينتشون من غيابها لتحقيق انتصار ينتشون الموت كعقار مخدر، ويثرثرون فوق أنقاض عقارات تراكمت على أهلها.

نظراً لهذا وذاك، أعود إلى فكرة أن القيم والمعاني هي نتاج إسقاط الفكر على الحوادث والأفعال، وهنا نستطيع القول إن النواتج كلها اجتهادات بشرية تصيب وتخطئ، لذا فمن الظلم تأليه اجتهاد على اجتهاد أو إبداع على إبداع، هذا حينما يتعلق الأمر بنفع البشرية ودفع قطار التطور والنمو. فما بالنا إذا كان الاجتهاد تشبث بتفسير نص أو تحميل شرحه وإيضاحه أكثر مما يحتمل؟

هذه واحدة، أما الثانية فهي غلبة المال على المآل؛ حين يبلور أصحاب المصالح رؤيتهم للتطور الإنساني وفقاً للعوائد المادية على حساب العوائل البشرية بل وغير البشرية أحياناً.

لذا يفرض علينا الواقع العودة إلى أصل ومصدر مشكلة غياب مفهوم التسامح والتعايش، الذي هو ليس سوى تحجر في تناول المطروح من نتائج بشرية من دون وعي حي حقيقي.

فالمفاهيم المعنوية مثلها مثل الأشياء المادية، لها ذات ولها وجود، ولعدم ليس تلاشي المفاهيم الجميلة التي يمكن أن تخلق عالم من الحب والتسامح والحياة الكريمة، وإنما العدم هو خلط ذواتنا بوجودنا، لأن حينها يعتقد الإنسان بقُدسية ما هو نتاج إعمال فكره على الأشياء، متجاهلاً أن القُدسية قُدسية ذاتٍ لا وجود، وأن مرور الزمن يعري أخطاء الاجتهادات.

فالقُدسية الحقيقة للفكر ذاته لا لوجوده. ولسنا في حاجة إلى نفس منطق المتحجرين أو المتاجرين أمام فكرة التعايش والتسامح للتصدى للسلبيات الناتجة عن غياب مثل هذه المفاهيم في واقعنا المعاصر، وإنما إلى منطق آخر متجرد من رواسب التقاليد والاعتقادات في قبول الآخر، تجريد منطقي عام، لا تجريد شخصي يجرح مبادئ وأصول الحياة الشخصية.

فقبول الآخر لا يحتاج سلخ جلودنا ولا تفريغ عقولنا، وإنما فقط الترحيب بما هو عليه شريطة أن يتبادل الجميع ذلك.

كما أن فكرة الحجب أو السلب للمفاهيم الخاطئة عن أجيالنا الحالية والمستقبلية ليست الحل، وإنما الحل في تعليم هذا للأجيال وتحريرها من أن تتناول المطروح بمنطق الأخذ من دون الرد والبحث، أو بمنطق القبول من دون النقاش والفحص والتحقيق.

ولذلك نجد على عاتقنا جميعاً مسؤولية كبرى، تتلخص في طرح نقاش حقيقي يقوده جمع من المحققين لا الواعظين على إُسس صحيحة واضحة لأن النقاش المنتشر بين العامة هو نقاش الواعظين لا المحققين، نقاش المثرثرين لا الفاعلين،  ولا يثمر هذه النقاش ثماراً حقيقة، لأنه يبتغي الترهيب والترغيب ليس إلا.

‏ فالوعظ أثره زائل، لأنه يمس حس المتأثرين، لا فكر المتجمدين والمُتحجرين، أما التحقيق والنقاش فيخاطب الفكر ويضع السلوكيات تحت عدسة البحث والأخذ والرد.

ولن يكون الأمر بين ليلة وضحاها، لأن ضخ الوعي إلى العقول عملية مستمرة تستلزم منهجاً ونهجاً كاملاً، علاوة على أن تربية الأنفس وتهذيبها وفق مفاهيم ومبادئ إنسانية خالصة من شوائب التاريخ وشظايا الواقع وخيالات المستقبل تحتاج دفع الأجيال نحو خوض التجارب الاجتماعية تحت واقع الترحيب والترغيب، لا تحت واقع القصف والترهيب، دفع الأجيال نحو البحث عن وسائل إنقاذ وليس وسائل سيطرة واستحواذ.

ومما يجب وضعه على طاولة النقاش، الوسائل التي يمكن أن نستخدمها في تعزيز مفهوم وفكرة التعايش والتسامح، لأن بعض الوسائل لا نحسن استخدامها أمام من يرفضونها قلباً وقالباً.

لذا نحن في سفينة، لا فائدة لنا من أي رياح شرقية كانت أو غربية، إن اختلفنا من أي خيط ننسُجُ شراعنا، وأي الرايات تُحلقُ فوق رؤوسنا.

ولا نجاة لمن هُم أسفل السفينة إن تكاسلوا عن صعود درج البحث والتجديد.

ولا لمن هُم في أعلاها إن سَكِروا من ثراء اللغة ورفاهية البلاغة من دون إدراك واقعي لحقائق الأمور.

* بكالوريوس حقوق، مصر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.