أحمد الفتلاوي: كي تنعم بلادنا بأبناء يعرفون معنى الانتماء - patharabia

Last posts أحدث المواد

الاثنين، 2 مايو 2022

أحمد الفتلاوي: كي تنعم بلادنا بأبناء يعرفون معنى الانتماء

أحمد الفتلاوي


أحمد الفتلاوي *

(مسابقة أساليب تمكين الشباب العربي في بلدانهم)


يقول ميخائيل نعيمة: "الشباب ربيعنا، ومن حقّنا أن ننعم به متفجّاً من أعماقنا كما ننعم بالربيع متفجّراً من أحشاء الأرض، فلا نحوّل ورده قطرباً، وياسمينه عوسجاً، وبلابله غرباناً، ونسوره بوماً!". فالشباب مرحلة إبداع المرء وانطلاقته، ولا يقوم الإبداع إلا على دعائم نفسيّة كانت أم مجتمعيّة أم علميّة، ولا تُغني واحدة منها عن أختها ولا تقوم مقامها ولا تعمل عملها.. بل تأخذن بأيدي بعضهن لتُقِمن في الفرد الشاب "بذرة الإبداع".

فكيف يمكن أن نلخِّص ونوضِّح المسؤوليات التي تترتب على المجتمع والحكومات في تأمين هذه الدعائم؟ وما إسهام كلًّ منها وأهميته في إنبات البذرة المبدعة؟

يرتكز كل مجتمع خلّاق على الحريّات.. حريّات في المعتقد والتعبير والسياسة والاستثمار، ولكل حرّيّة منها دور بارز في إطلاق يد الفرد أو أجنحته، ويقول في هذا مالك حدّاد "هذا البلبل ما إن يتكلّم عن الحريّة حتى يحمل جناحَي عقاب"، وما إن يملك الفرد حرّيّة المعتقد في مجتمعه ويحترم الأفراد أديان بعضهم أمن كل شخص على نفسه، فما عاد محتاجاً ليشغل نفسه بالدفاع ضدّ هجومات أو تمييز. وكذا حرّيّة التعبير، فلا يخشى الفرد في مجتمع حرّ أن يقول حقيقة كغاليليو، فيهدد بالحرق سابقاً ولاحقاً بالنّفي واليوم بالسجن أو النبذ. أمّا الحرّيّات السّياسيّة، فتُمكِّنه من اختيار مَن يراه فاعِلًا، صاحِب رؤية، داعِماً لنظرة الشباب واحتياجاتهم، فلا تكون ملكية ديكتاتورية ولا أحزاب مقفلة لا تخدم إلا من تُمثِّل. وفي الاقتصاد يحتاج الفرد لمجتمع بنظام يسمح بالاستثمار ويدعم المشاريع الناشئة ولا تقبض عليه عصابة من المحتكرين.

ويحتاج هذا كله لأن يكون واضحاً مطبّقاً على أرض الواقع لأنّ نصوص الدساتير لا ينقصها بنود وقوانين، بل رادع فعليٌّ للفاسد والمُفسِد.

يحتاج المبدع أو الشاب إلى ما هو أهمّ من الماء والهواء.. شيءٌ يضعه علماء تنمية المقاييس البشريّة في قاع حاجات الإنسان الأولى وهي الحاجة إلى الأمان والاستقرار، أمان على الحياة. فلا يظهر إبداع في إنسان لا يعرف كيف يموت بصاروخ أو قنبلة، بيد عدوٍ من الشرق أو عدو من الغرب، فلا يأمن لا حياته ولا حياة أحبّته. إنّ مجتمعاً مُلِئ بالحروب بالأصالة كانت أم بالنيابة أو جُعِل ملعباً لتصفية حسابات الدول الأجنبية للتصارع على أرضه وبأبنائه، انقطع الرّجاء منه. فلا يعود به الأمل إلّا بانكفائه عن صراعات لا ناقة له ولا جمل فيها وتحييده عمّا لا يخصّه. ومن أراد حرباً من حوله فليقاتل بجيشه وبنفسه وعلى أرضه، فجيشه وأهله لا يقاتلون إلّا عن أنفسهم. وإلّا فَنِيَ الشّباب وقتلوا وإن لم يقتلوا فقد دمروا من الداخل، فمن يبدع.

أمّا العلم فيقول في طالبيه أرسطو "طالب العلم كالغائص في البحر، لا يصل إلى الجواهر الكريمة إلّا بالمخاطر العظيمة!". فأين دفنت جواهر العلم في بلداننا؟! وأي بحر هذا الذي سيغطس فيه والماء لم يجاوز عرقوبه_ وتر يقع في الجهة الخلفيّة من القدم_ في ماء المستنقع؟!

لا يقوم مستقبلٌ لشبابنا إن لم تعدّ لهم مدارس وجامعات، ولم تُنشأ مراكز أبحاث، ويُقلَّد رجال العلم أوسمتهم ويتبوؤوا مراكزهم العلميّة التي سيزيدونها شرفاً حتى لا ينشغلوا عن أمور العلم بأمور الحياة، فيُعلِّموا ما علِموا ويبحثوا فيما غاب عن الأمم، فيبدعوا ويكتشفوا بدل أن يركضوا خلف لقمة العيش التي ما عادت كريمة.

يقول محمد إقبال: "لقد كنتُ كائناً ناقصاً، كتمثالٍ غيرِ مكتمل. الحبُّ صقلني: فقد أصبحتُ إنسانًا!". تبقى مجتمعاتنا بكلِّ ما ذكرنا على الرغم من أهميته مجتمعات ميتة، تماثيل جامدة، وأفراداً منقوصي المواطنة طالما لم يحبّوا، أن تحبّ يكفي لأن تعمل إن كنت تحبّ فعلًا.. أن تحبّ يعني أن تنتمي. وعندما نشعر أننا ننتمي لن يحتاج أحدٌ ليخبرنا عن ماذا نفعل..

فهل يحبّ الشباب أوطانهم؟ هل تنعم بلادنا بأبناء يعرفون ما يعنيه الانتماء؟

* طالب بالحوزة العلمية، العراق

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.