حامد محضاوي: في التراث وأفكار الاشتغال - patharabia

Last posts أحدث المواد

الخميس، 7 يوليو 2022

حامد محضاوي: في التراث وأفكار الاشتغال


حامد محضاوي


*حامد محضاوي * 

"إن العقل الحديث حديث جزئيّا لأنّ جوانب كثيرة منه ساكنة فينا منذ أيام ماضينا السحيق".
جيمس هارفي رونسون.

هذه القولة تمازج ما بين التراثي والحديث في بناء الهوية الشخصيّة. التكامل وإنشاء موازنة تفاعليّة بينهما هو عين صواب السير الصحيح ومواجهة المتغيّرات. مهما تقدّم الإنسان فإنّه يبقى موكولا في كثير من تفاعلاته إلى موروثه الذاتي والمجتمعي من أجل إيجاد حلول لمشاكل وصراعات الواقع. صورة الإنسان الحقيقيّة لا يجب أن تكون قابلة للاستلاب مهما كان منحاه. من زاوية أخرى لا يجب أن تكون ماضوية الرؤية والتفاعل كليّا؛ كي لا تنحرف عن مسار العصر الراهن.

التكامل هو الرهان الحقيقي الذي يضمن الديمومة ومواجهة المتغيّرات بروح متجذّرة في الأرض وتفاعل منفتح على مختلف الرؤى.

هذا التكامل المطلوب نرى أنّه يتعرّض إلى أشكال من الرّفض. في ظلّ تنامي نسق العولمة وعمله المتسارع على هضم كل ما هو خصوصي، وتكريس فضاءات منفتحة لا تربطها إلّا روح الاستهلاك. وقبول كلّ ما هو دخيل في إطار قوة تسويقية ضخمة، تتجاوز قدرة الشعوب والمجتمعات في الاحتفاظ ولو بهامش بسيط من لحظاتها الحميميّة والعفويّة التي ترسم كياناتها الذاتيّة والتفاعليّة.

الاشتغال على التراث ينطلق من قناعة ذاتية براهنيّة التلاقح والدفع إلى الأمام؛ من أجل خلق حالة حيويّة لفعل سابق، تقطع مع الارتباط الزمني والمكاني. يصبح الفعل الفني هنا حاملا لبذور الانتشار والتلقّي.

من هذا المنطلق يتنزّل مشروع الاشتغال على التراث لا بتصور نمطي تقليدي؛ وإنّما كمحاولة لنفض الغبار عنه وإخراجه في صورة جماليّة وتجسيدية، تجعل منه حركيّة نابضة بأنفاس حضورها المعاصر. موضوع العمل على التراث برؤية فنيّة لم يأت جزافاً وإنّما في إطار توجّه شامل يتماشى مع دعوات المؤسّسات المهتمّة لإحياء التراث والعمل على إبرازه ككنز وموروث يضمن للبلدان انتمائها وتاريخيّتها وتنوعّها، كذلك سياحيّاً عبر التعريف بالموروث كرصيد ثقافي سياحي ومصدر للانفتاح على مختلف جهات العالم. الهدف الآخر هو العمل على تجذير فكرة مواجهة الإرهاب بالثقافة عبر التعريف بالتراث كمصدر هوية وانتماء للبلدان، بحيث يلعب ذلك دور في إبعاد الرؤى الرجعيّة التي تعمل على تغيير نمط العيش، عبر تغيير جملة من العادات الموروثة في المناسبات العائليّة خاصة من موسيقى وطقوس واحتفالات وتعويضها بعناصر أخرى يقع اجتثاثها بصورة مشوّهة من الدين.

العمل الفنّي الذي ينطلق من التراث ويهدف لبناء معالجة متجدّدة يمكّن المشاهد من التفاعل والتماهي. هذه الخطوة تتطلّب مبدعين قادرين على التجاوز ورسم فعل حيّ بعيداً عن التصنيفات.

العروض الفرجويّة المفتوحة تسهم في بلورة وعي الشارع، إذ إنّها تذهب للمواطن في عناوين حراكه اليومي. لو فتح المشتغلون بالمسرح مثلا ًهذه الزاوية أكثر لوقع تنضيج الفكر الجماهيري واستيعاب أكثر ما يمكن. ترسيخ الاشتغال على مضامين التراث بهذا التوجّه يعزّز أهداف حضور الموروث في الذائقة. العمل في المسرح وفنون العرض بمنحى ونفس تجريبي للخروج من العلب الإيطالية والقاعات المغلقة التي يذهب فيها الشخص إلى العرض يعطي بعدا آخر للتلقّي.

اليوم مع عزوف الجمهور وعدم الوصول الى أن تصبح الفرجة المسرحية ثقافة، باعتبار بقائها لسنين طويلة في قطيعة بين المثقف والمسرحي والجمهور، نرى أنّه من واجب المسرحي الذهاب بعرضه الى الجمهور. يصبح المتفرّج جزءاً من العرض وأحد أضلع اللعب. في هذا عمل ضمنيّ على تغيير الوعي الفرجوي تدريجيّاً ووضعه على سكّة التفاعل العفوي. عبر تواتر التجارب والإقبال على المنجزات الإبداعيّة التي تحاكي مشاغله وتأتيه إلى مكامن وجوده يصبح مواطناً إيجابيّاً، يصبح بدوره فاعلاً ومواكباً للشأن الثقافي باعتبار إحساسه بقيمته ووجوده في إطار هذه المنظومة التي ظلّ لسنوات بعيداً عنها.. إضافة إلى لعب المسرحي في هذا الإطار لدور المثقف الحقيقي المنطلق من حكايات الشعبي وتفاعلاته. في ذلك عمل على إعادة الاعتبار لدور المثقف وإرجاعه إلى مدار فعله الصحيح المنطلق من الشارع كما يذكر الدكتور «عبد الوهاب المسيري» والحامل لمشروع بديل مناهض لأنساق الأبراج العاجيّة. هذا دعامة عمليّة للامركزيّة في الممارسة الثقافية. منهج تعمل عليه الدول؛ عبر إيصال الثقافة إلى مختلف الجهات الداخلية في إطار التمييز الإيجابي والانفتاح ثقافيّاً خاصة على المناطق الحدوديّة والمناطق المهمّشة، وتحويل عدمها المؤسّس للآفات إلى مناخ ربيعي للممارسة الثقافية والفعل الإبداعي البنّاء.

كل هذا يمكّن من بناء جدار صدّ قوي ضدّ الاستقطاب الإرهابي والرؤى الاستئصالية بمختلف أنواعها، التي تعمل في الأماكن العدمية والبعيدة عن أي حضور ثقافي وفي حيف اجتماعي. خاصة في حالة بلدنا تونس بعد الثورة، وما قامت به الأفكار المتطرّفة بشبابنا في الخفاء واستغلال ضعفه بحجج أنّ الدولة لا تقدم لك شيئاً. إذا انشغل المواطن وتفاعل مع هذه العروض الفرجوية يجد نفسه أكثر توازناً وانفتاحاً. من ناحية أخرى يمثّل العمل على التراث فرصة لصد المحاولة الاجتثاثيّة له.

التراث الشعبي الذي يشكّل جانباً حيويّاً مهمّاً في بنية التراث الثقافي يواجه رفضاً مزدوجاً من قبل الحداثيّين والأصوليّين معا. التراثيّون أو الأصوليون ينتصرون للتراث الديني في غالب الأحوال، وهذا لا يعني أنّهم يناصرون أو ينتصرون للتراث الثقافي الشعبي؛ بل يرفضون هذا التراث جملة وتفصيلاً ويعملون على استئصاله. يضاف إلى ذلك أنّ التراث الثقافي الشعبي يواجه تحدّيات العولمة الثقافيّة التي تعمل على تفكيكه وتدميره بوصفه مكوّناً للهوية الوطنية والثقافية. هذا يعني أنّ الموروث الشعبي يواجه مخاطر ثلاثية التكوين تتمثل في: الحداثة والأصالة والعولمة. التيارات الحداثيّة الأصولية ترى المأثورات الشعبيّة باعتبارها ضد العلم والحداثة، والأصوليون يرون في هذا التراث صورة لتكوينات ثقافية مضادة للدين والقيم الإسلاميّة. غالباً ما يضعون هذا التراث في دائرة التراث الوثني المعادي للقيم الإسلاميّة السمحاء، وذلك لأنّه يتضمّن الأساطير والحكايات الشعبيّة والعادات والتقاليد والفلكلور الذي يتنافر مع معطيات الشريعة.

التفكير والسعي لتنضيج الاشتغال على التراث يتطلّب التشمير عن سواعد العمل وترك الربوة والانغماس في محاولة تغيير الواقع نحو الافضل. كما أن دور المثقّفين الشباب مهمّ في أخذ المبادرة وتنضيج الافكار والسعي في الأطر الفنيّة من أجل توفير منطلقات إنجاز المشاريع وتطبيقها. يتوجّب مدّ خطوات النجاح ميدانيّاً بما يفتح الباب لربيع ثقافي، ملك للجميع ومحايث للكل بلا حدود ولا حواجز.

العمل في إطار استدعاء التراث يمثّل بما فصّلناه سابقاً صورة لبناء الشخصيّة الوطنيّة وربطها إلى واقعها التاريخي المميّز والحاضن لمختلف التنوّعات. هو دعوة صريحة لربط المثقّف بواقعه الشعبي، وفتح مجالات العمل فيه صلب دعوات الدول إلى التعريف السياحي والتراثي، وإعطاء صورة مميزة عن الدول الجميلة والمتنوعة. المتجذّرة أصلاً والمنفتحة علماً ووعياً.

التراث نراه قادراً على هذا باعتبار أنّه هوية ثقافيّة إنسانيّة جامعة. إنّه التاريخ الذي يحيا بين جوانحنا ويتأصّل في وجداننا نبضاً بالحياة والحب والجمال والحكمة والعطاء الإنساني. إنّه نواة الهوية الوطنية ونسغ وجودها، منه ننهل حكمتنا ونستلهم فيض قدرتنا على الحياة نستجوب آفاقها الإنسانية عبر الفن. التراث الشعبي كينونة فينا نصقله ويصقلنا وندفعه بأمانة إلى الأجيال التي تلينا إرثاً إنسانيّاً ينير لهم دروب الحياة في مواجهة الحب والحياة والموت والفرح والأحزان. التراث الشعبي لا نرثه بل نحن مؤتمنون عليه وديعة ثقافية لأطفالنا وأحفادنا من بعدنا. يضمن لهم هويّتهم ويضفي على حياتهم معنى ودلالة وقيمة إنسانيّة. وهنا وليس هناك يجب علينا أن نجدّد فيه ونطوّر في فنونه وعلومه ونبدع في تقديمه للأجيال دفئاً ثقافياً يمكنهم من الحفاظ على توازنهم.

وعلينا في هذا المستوى من أهمية الحفاظ على تراثنا وإحيائه أن نستفيد من تجارب الأمم الأخرى التي حافظت على تراثها وضمنت له أسباب الحياة والبقاء. الفكر الأوروبي كان ولا يزال يتجدّد من داخل تراثه، وفي الوقت نفسه يعمل على تجديد هذا التراث. تجديده بإعادة بناء موادّه القديمة وإغنائه بمواد جديدة. لقد أعاد الأوروبيون كتابة تاريخهم، لقد رتّبوا تاريخهم حسب العصور وجعلوا من كل قرن حقبة تتميز بخاصيّة معيّنة، لقد عملوا على سدّ الثغرات وإبراز عناصر وحدة تاريخهم الثقافي.

وأخيراً، يمكننا القول إن الاهتمام بالموروث الشعبي يشكّل ضرورة تاريخيّة حيويّة؛ لأنّه يشكّل العمق التاريخي الحيّ لوجودنا، وكنزاً ثقافياً ثريّاً لا يفنى لأجيال تريد أن تحقق وجودها وهويتها. يجب العمل على تنمية القيم الإيجابيّة في هذا التراث والاستفادة منها في بناء الحاضر والمستقبل. ولابدّ لنا في ذلك كلّه من الانفتاح على الآخر والاستفادة من حضارته وقيمه وعلومه الإنسانية. وأن نعمل على أن ننطلق من هذا التراث الخلّاق لا أن ننغلق صلبه.

* كاتب تونسي مهتم بالمجالات الإبداعية والفكرية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.