جمال بربري: دُوري يا حلّة العجين وَكَّلي الغلابة.. أهازيج الفرانين - patharabia

Last posts أحدث المواد

الأربعاء، 20 يوليو 2022

جمال بربري: دُوري يا حلّة العجين وَكَّلي الغلابة.. أهازيج الفرانين

جمال بربري في المخبز

جمال بربري


تقول الحكاية الشعبية إن الشيخ صاحب الفرن كان يخصص حصة من الأرغفة للفقراء والمحتاجين والعمال عقب صلاة الفجر، لكن فجأة انقلب عليه عمال الفرن مطالبين بزيادة في أجورهم أو الإضراب.

استمهلهم أياماً عدة، ووعدهم بأنه سوف يفكر ويحسب حسابه، لكنهم فجأة ومن دون سابق إنذار لم يأتوا جميعاً. راح يفكر طيلة الليل كيف يعمل وحده حتى يخرج خبز الفقراء الذين يأتون كل صباح؟

حتى سمع آذان الفجر فأغلق الفرن وانصرف إلى الصلاة، ودعا ربه وبكى في السجود، وبعد الصلاة جلس جانباً وأمسك بالمصحف، فإذا بواحد ممن يعطي لهم العيش (الخبز) يقول مسرعاً: "إلحق يا شيخ، فُرنك فيها عفاريت. سمعنا أصواتاً غريبة والفرن مقفول".

أسرع الشيخ وفتح الفرن، فوجد العيش على الأقفاص الخشبية جاهزاً. كان ينظر حوله ويضرب كفّاً بكف غير مصدق ما حدث.

أمام نيران قاسية وحياة صعبة لا يقوى عليها إلَّا من عرفوها منذ الصغر فصارت جزءاً منهم وتركت أثارها على الأجساد النحيلة. يستيقظون عند منتصف الليل ويهرولون والناس نيام إلى لقمة عيشهم التي قسمها الله لهم، ألسنتهم تردد كلمات فنانهم الراحل محمد العجوز: يا كاتبين الوجع ما تخطوا أوجاعى/ هاتوا طبيبي هنا لا تفرحوا الحساد/ شرب القليب المرار وأتطفح الأحزان.

وجوه حمراء

في الفرن أمام فتحة صهد تلفها درجات حرارة مرتفعة، تجمعت على وجوههم الحمراء، حبات عرق متناثرة، بفعل نيران مشتعلة، تُحول "العجين" إلى لقمة سائغة. على جبهاتههم مناديل تحمي أعينهم من سقوط ملح العرق.

هم يعرفون أن هذا قدرهم وتلك هي لقمة عيشهم، ولكن سعادتهم تكمن في العودة إلى بيوتهم حاملين بعض أمتعة صغيرة. لكنها فرحتهم!

مهنة الفرّان لا تتطلب فقط القوة الجسدية والسلامة الذهنية، إنما تحتاج التعود على الصبر والجلد أمام نيران مستعرة لا ترحم حتى في الشتاء القارس، وفي الصيف بالطبع هي نار جهنم. لذلك فهم يطالبون برفع أجورهم أحياناً حتى تتواكب مع غلاء المعيشة، ولكن العصفورة تسمع همسهم وتنقل كلامهم إلى صاحب الفرن.

وبالتالي هو يقف أمام خيارين، إما أن يزيد لهم الأجرة، أو أن يحاول جلب عمال بدلاً منهم. من أصحاب العمل من يرضخ لمطالب العمال خصوصاً لو كان قد اشتغل معهم وعرف قسوة الحياة، ومنهم من يكابر ويرفض ويجلب عمالاً بلا خبرة حتى لو خسر الزبائن بسبب الإنتاج السيئ.. كل فرن وله نظامه وقواعد التعامل بين جدرانه.

هكذا قص عليّ العم عبود - البالغ من العمر سبعين عاماً - حكاية صاحب الفرن، حين سألته عن أشهر أهازيج العمل أمام نار الفرن.. وعم عبود لم يجلس يوماً في البيت من وقت الصغر، فهو يدرك تماماً أن جسد الشقاء لو جلس في البيت سوف تتراكم عليه الأمراض مثلما حدث لأصدقاء المهنة. يصمت دقائق ثم يتذكر كلمات أغنية للفنان جمال الإسناوي، يستعينون بها على تعب العمل: الصبر لو كان تقاوي لأزرعه بـغيطان/ وأرويه بدمع الندم ع اللي جرالي وكان.

فرن الطاقة

يشعل سيجارة ثم يحكي لي عن أيام (فرن الطاقة) الفرن البدائي، وأيام الناس الطيبة والبركة، وعن أدوات الفرن، الذي تتكون من حلة عجين يوضع فيها الدقيق والملح والخميرة؛ ثم يردد أهزوجته: ‹‹دوري يا حلة العجين وَكَّلي الغلابة والمحتاجين/ ميه ودقيق وعلى الله التوفيق/ الماء والملح والخميرة بمقادير، وعلى المولى التدبير››.

يعلق الراديو في مسمار على حائط بجواره، ويردد منسجماً مع صوت أم كلثوم: يا عطارين دلوني الصبر فين أراضيه/ ولو طلبتوا عيوني خدوها بس ألاقيه.

ويختلط الماء مع الدقيق حتى يصنع له عِرقاً أو لحاماً، ثم ينقله في صندوق خشبي طوله متر ونصف المتر، ثم يغطيه حتى يختمر. يجلس بعدها مفترشاً الأرض ويغني بصوت خشن: عاصي يا ناس/ لابس م الشقا توبي/ ساعدني يا ربي أغسل ذنوب توبي/ واغفر ذنوبي وارجعلك يا كريم بلا دين.

ينهض للعمل، يضع بعض الدقيق على لوح خشبي يطلق عليه (سانيس) وعليه الميزان، يزن أول وزنة وبعدها يقطع العجين على هيئة كرة، وكل رغيف لا بد بأن يُغمّس في الدقيق حتى يمتص آثار الماء من فوقه.

يأخذها بعد ذلك العامل الذي خلفه، نطلق عليه اسم الخَدّاع، الذي يطبطب على الأرغفة فيجعلها على هيئة دائرة. يضحك (القراص) ثم يقول للخداع الذي خلفه: ‹‹يا خداع اخدع/ دوس على الرغيف زي الناس/ خلّي عندك ذمة وضمير وإحساس/ ده عيش بتاكل منه الناس››.

يرد عليه الخداع: ‹‹وانت عامل ضميرك زي الناس/ وضبّط السنجة/ واشتغل على الميزان، ده صاحب الفرن ملهش أمان/ بكرة تقف على الميزان وتقول ياريت اللي جرى ما كان››.

حمار الفرن

يضع الطاولات في قائم وبعدها يكتب عدد الطاولات ويكتبها في ورقة نطلق عليها بلاغ. يأتي بعدها دور الطاولجي الذي نطلق عليه لقب (حمار الفرن) لأنه يسير في خطوات ثابتة لا تتغير.

يحمل الطاولات إلى بنك، والبنك عبارة عن حائط ارتفاعه متر مسقوف، من المسلح أو الرخام، حتى يرمي بها إلى الرامي الذي يقف بجوار الخباز. يرفع الرامي الأرغفة ثم يضعها على شوال (جوال) فيه دقيق يأخذها الخباز ويضعها على "كوريك" خشبي وتمتلئ، ثم يسحب ما قد نضج بالبروة، يأخذها السحلجي على أقفاص ثم يذهب بها إلى البائع.

وعند وفود عامل جديد صغير السن لا يفقه في المهنة نطلب منه طلبات غريبة: روح بسرعة اجري اشتري شحم نمل من أي دكان فاتح، يأخذ النقود ويبحث عن الطلب ويعود فارغ اليدين، نضحك عليه قائلين: شربت المقلب يا مغفل!

يعود للعمل في البداية، ينظف المحل وبعدها يتعلم السحلة، وهي جمع العيش من أمام الخباز ووضعه على أقفاص، أو يتعلم الطاولة وكيفية رش الردة بإتقان وتسويتها، إن كان يحب الصنعة سوف يتعلم أو يظل "عاملاً" مدى الحياة.

مشاحنات معتادة

هكذا تدور الحياة ببطء شديد. يعلو صوت آلة التسجيل بسيرة الهلالية وشفيقة ومتولي. السيجارة وكوب والشاي لا تغادر أياديهم، لكن العصفورة تأتي بخبر وصول صاحب الفرن، تدور المشاحنات المعتادة.

في تلك اللحظة عندما زعق صاحب الفرن في الخباز، أسرع إلى ملابسه الداخلية فارتداها، إذ يتخلص الخباز من ملابسه الداخلية مكتفياً برداء خارجي من صهد النار. أمسك به زملاؤه العمال ورددوا: ‹‹صلِّ على النبي واخلع لباسك››. يتوقف المخبز دقائق، يتركه صاحب الفرن حتى يهدأ، وبعدها يعطيه سيجارة. يخلع لبسه ويعلقه وتبدأ من جديد حياة الفرن. ولكن الخباز متأثر، فيعلق بكلام للعصفورة التي تنقل الأخبار: "يعيش ولد الخسيس ولا يرفعه عينه من الأرض/ يكمش كما العيل لو بحتروله العرض/ يا ماشي تهز الكُمّ متغندر/ ياما ناس، ياما كتير ماتوا/ كانوا بطول العرض!".

بعد دخول السيرالآلي الكهربائي أصبح الجهد مضاعفاً، مع قلة ساعات العمل؛ فلا وقت للمزاح ولا الهدوء؛ الجميع منخرط بقوة في عمله ليلاحق على دوران السير الكهربائي. انقرضت بعض المعدات البدائية مثل "الكوريك" والبروة وبراميل البخار، حتى الجاز (الكيروسين) أصبح غازاً. والمصيبة الأكبر هي دخول من ليس لهم شأن بالمهنة في هذا المجال. هم أصحاب رؤوس أموال فقط. يتباهى كل واحد منهم بأنه صاحب فرن ولا يفقه شيئًا في أعماله. ومن السهل أن تضحك عليهم، وأحياناً يسرقهم البعض وهم لا يشعرون. وبالتالي لجؤوا لمن يملك الخبرة حتى يتعلموا منه كيف يدار الفرن، لكن بلا فائدة، فقالوا: ‹‹إدّي العيش لخبازه لو كَل (أكل) نصه››.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.