نحو خلق مناخ مشجع لبروز مزيد من الكتّاب في المغرب - patharabia

Last posts أحدث المواد

الثلاثاء، 5 يوليو 2022

نحو خلق مناخ مشجع لبروز مزيد من الكتّاب في المغرب




المملكة المغربية: هشام أزكيض

من خلال رصدنا للمسألة الثقافية بالمغرب، فمن الصعب جدا الحديث عن وجود استراتيجية ثقافية واضحة المعالم، انطلاقا من سياسات مبنية على الإرادة التامة لإحداث التغيير المجتمعي، وهذه هي الغاية العظمى من الثقافة، فقد أصبح مفهوم الثقافة اليوم "بمثابة قاسم مشترك يؤلف بين عناصر عديدة يصعب التكهن مسبقاً بوجود علاقة ما تجمعها، لكثرة ماهي بادية للعيان الاختلافات بينها: تصورات عن الحياة والكون والإنسان، سلوكيات بشرية، موضوعات مادية، مهارات وتقنيات، طقوس ورموز دينية، مؤسسات وعادات اجتماعية، آداب وفنون وعلوم، مواقف وإستراتيجيات اجتماعية وسياسية. إنه يحيل إلى كل ما يمت إلى البشر وعالمهم بصلة، مرئياً كان أم غير مرئي، شعورياً كان أم لا شعوري، مستمراً كان أم عابراً، محلياً كان أم عالمياً، قديماً كان أم حديثاً".. وحتى تحقق الثقافة عافيتها، وضمنها الأجناس الأدبية المعروفة (الشعر والرواية والقصة...) بالشكل المطلوب فمن المستحيل تجاوزها..

تسلح بالإرادة

يضاف إلى ذلك الكتابات السردية المشحونة بالأفكار والمعلومات... فكل الحضارات، لم تحقق وجودها المبني على القيم السامية إلا عن طريق القصة والأسطورة مثلاً، وبرغم أهمية الأدب في التنمية الثقافية، واستحالة زواله كما يشهد على ذلك التاريخ، فإن تعاقب أزماته في المملكة المغربية واقع لا يرتفع، كما أكد الكاتب والباحث المغربي الدكتور عزيز بعزي، وحسب ما صرح به، فتجاوز تلك المرحلة يتطلب التسلح بالإرادة النابعة من توجهات الدولة، والخطاب السياسي العملي المغربي، من أجل بعث قوى وزارة الثقافة، والتي تحتاج إلى مزيد من التشجيع والاهتمام، لرسم سياسات ثقافية لصيقة بالواقع المجتمعي، لعلها تصل إلى مرحلة تشييد معالم الإبداع في شتى المجالات الثقافية والأدبية، وتحقيق ديمقراطية ثقافية شاملة إن صح هذا التوصيف، وهذا سيسهم لامحالة في خلق مناخ مشجع لبروز المزيد من الكتّاب في شؤون الأدب، كما أن ذلك سيشجع القراء على الاهتمام بما يتم نشره سواء على مستوى ما هو ورقي أو إلكتروني.

في هذا السياق، ومن خلال محاورتنا للعديد من الأقلام المغربية حول واقع الأدب والقراءة بالمغرب، أكدت الكاتبة حسناء شراقي أن واقع القراءة العربية في أزمة، وأنّ الشّباب في عزوف كبير عنها لصالح الأمور التكنولوجية الأخرى، حيث إن بعض الشباب يميل لقراءة ما يجري في العالم من أخبار في جميع المجالات ليكون على علم، ووعي ودراية بالأمور الصحية، أوالتكوينية في شخصيته، وفئة أخرى تقرأ مواضيع سطحية وعشوائية هامشية ، ثم هناك فئة ثالثة لا تقرأ نهائياً، لذا ينظر الناقد المغربي رشيد الخديري بسوداوية قاسية إلى مسألة القراءة، ويعتقد أن السواد الأعظم من الشباب لا يقرأ، وإن كان هناك من ميل للقراءة، فيعتقد أن الرواية تأتي في الصف الأول.

طرق معاصرة للقراءة

إلى ذلك قال الكاتب والباحث المغربي الزبير مهداد: إننا لا نملك صورة دقيقة عن واقع القراءة في المغرب، سوى ما يمكن أن نستنتجه من أرقام مبيعات المكتبات، وأكشاك الصحف، وهي أرقام لا تبعث على الرضا، فباستثناء الكتاب المدرسي، فالمطبوع الثقافي الورقي لا يعرف رواجاً مهماً، لذا فمجتمعنا مازال متأخرا في هذا الجانب. وعليه فمستويات القراءة في المجتمع المغربي متفاوتة، حسب الكاتب والروائي المغربي عزيز العرباوي بصرف النظر عن الفئة العمرية ، شباب وغير شباب ، بمعنى أن المسألة هنا تتركز على طريقة القراءة، إلكترونية أو ورقية، حيث نجد أن هناك انخراطاً شبابياً كبيراً في استخدام الطرق المعاصرة للقراءة، أعني الوسائل الحديثة من هاتف متطور وحاسوب، على حساب الكتاب الورقي الذي لا نجد اهتماماً كبيراً به إلا من الفئات المتقدمة سنّاً، وبشكل خاص أيضاً من الكُتّاب والقرّاء المتخصصين .

الزبير مهداد

أما الجنس الأدبي الذي لقي اهتماماً أخيراً برأي العرباوي فهو ينحصر على وجه التحديد في الرواية بالدرجة الأولى - كما أكد الخديري سابقا - حيث أخذت هذه الأخيرة منحى متطوراً في الإمتاع والجذب، من دون أن نغفل فئات تهتم بنظم الشعر وكتابة القصة بطبيعة الحال. في حين ذهب الكاتب المغربي صالح لبريني إلى أن واقع القراءة بالمغرب، لا ينفصل عن واقعها في العالم العربي.


عزيز العرباوي


واقع مقلق

فالانحسار والتراجع وضعف القبول، سمة من سمات هذا الواقع المأزوم، أما دواعي هذا الضعف، فيرجعها البريني بالدرجة الأولى إلى ما تشهد المنظومة التربوية المغربية من اختلالات على مستوى البرنامج الدراسي الذي لا يستجيب للحاجات النفسية والمعرفية للشباب المتعلم، الأمر الذي يدفع هؤلاء أيضاً للإقبال على شاشات الهواتف النقالة، والانغماس في متابعة المواقع التي تزرع ثقافة الابتذال، والتسطيح والضحالة، في الغالب الأعم. لذا قال بأسف، القاص المغربي حسن حصاري "إن واقع القراءة بالمغرب حالياً مقلق جداً، والشباب يتجه اليوم إلى قراءة ما يستجيب إلى حاجاته المعرفية والترفيهية والاستطلاعية والتقنية، خاصة في ظل اجتياح الثورة الإلكترونية".

وبعد رصده لواقع القراءة عموماً وقراءة كتب الأدب، بين الأمس واليوم، أكد أنه قبل سنوات خلت، كان فعل القراءة يلقى اهتمام شريحة واسعة من الناس سواء كانوا طلبة أو تلاميذ أو موظفين، حيث كانت المكتبات العمومية، تمتلئ عن آخرها بكل هذه الأطياف، ولم يكن آنذاك من وسائل تقنية أخرى تشغل بال القارئ. بحيث كان السبيل الوحيد للمعرفة والتكوين الذاتي هو الكتاب.

تحديات عديدة

فالأمور تغيرت كثيراً بشكل لا يتصور، وكيفما كان الحال، فالقاصة عائشة بناني ترى أن "الشغف لا تجده إلا في كتاب بين يديك، فلم يكن افتتاني بالكتاب وليد اللحظة، بل لقد امتدت بي السنون به مدة طويلة. أتذكر في طفولتي حيث كنا نتبادل القصص بيننا، ونحن في المدرسة، أو نتعامل مع بائعي الكتب بالتقسيط نسدده من مصروفنا الشخصي، أو نلتجئ للمكتبات العامة، لنستعير منها الكتب، ونعيدها بعد مدة يسيرة، شرط أن نحافظ على الكتاب كما نحافظ على حياتنا، لكن مع طفرة عالم الاتصال، والتواصل ازدهر سوق الكتب قراءة وكتابة".

لم يجد الباحث، والمترجم المغربي فيصل رشدي، غضاضة في القول إن واقع القراءة اليوم في المغرب، متدهور بسبب العديد من التحديات، كانتشار وسائل التواصل الاجتماعي التي حلت محل القراءة والمطالعة. وبخصوص الشباب اليوم فاهتمامهم منصب على قراءة الكتب الدينية التي وجدت رواجاً كبيراً، إضافة إلى أهم كتب التنمية، والاقتصاد، والرياضة، وروايات باولو كويلو، وروايات عبير.. وكأنها موضة جديدة اليوم، لدى بعض القراء.

صراع مع متطلبات الحياة

ففعل القراءة بالمغرب ضعيف ومخيف؛ خاصة بين صفوف الأجيال الصاعدة، مما أدى إلى عزوف شبه نهائي عن القراءة بشكلها العام. وهذا ما أكده الشاعر المغربي عاطف معاوية بقوله "هذا هو الواقع الذي أراه ، فكلما زرت إحدى المكتبات، لا أجد فيها سوى ثلة قليلة من القراء، وفي بعض الأحيان انعدام شبه تام، وهذا ما يؤلمني دائماً".

فقد أصبح القراء أقلية في مجتمعهم، كما يرى الكاتب والقاص المغربي عبدالغفور خوى، فأغلبهم في صراع مع متطلبات الحياة، لكن يجب أن نحافظ على بصيص من الأمل. كما أن وسائل التواصل الاجتماعي، وخاصة "الفيس بوك"، سهلت أمر نشر النصوص الأدبية على نطاق واسع، لكن بالمقابل قد ساوت في هذا النشر بين الرفيع، والرديء من النصوص فاخلتطت على شبابنا مقاييس الفرز.

ولهذا فحنان سبيبي، وهي فنانة وكتابة قصص أطفال، أكدت أن واقع القراءة في المغرب مازال بحاجة إلى التحفيز والتشجيع، خصوصاً في ظل وجود الأجهزة الإلكترونية، والاستعمال المفرط، والسلبي لها من ألعاب ودردشات غير هادفة، حيث إنها تلهي الأطفال والشباب عن الفعل القرائي الذي ننشده.

عزوف وأزمة نشر

إلى ذلك، يعتقد القاص المغربي سفيان البراق اعتقاداً جادّاً بأن واقع القراءة في المغرب في حالٍ جيّد، وما يدل على ذلك حسب ما عبَّر عنه، بروز جودة الأعمال الأدبية التي تقدّم للقارئ المغربي الذي صار يتّجه في الآونة الأخيرة لقراءة الرّواية، وقد أثبت الرّوائيون المغاربة علوّ كعبهم في هذا الجنس الأدبي الرفيع.

نبيل موميد

يقول الكاتب والمترجم نبيل موميد إن القراءة في أيامنا هذه، لاسيما في مجتمعاتنا العربية، تعاني الأمرَّين. ويقصد بالأمرَين، حسب ما جاء على لسانه، عزوف الشباب عن القراءة من جهة، وأزمة النشر التي تجعل القارئ – الذي هو كاتب بالقوة – لا يجد ضالته في المعروض من جهة ثانية. كما أن معظم شباب اليوم القارئ يكتفون بما يرد في مواقع التواصل الاجتماعي من تويتات، وبوستات، وتعليقات.... والمهم كما يرى الكاتب نصرالدين شردال "أن القراءة تشهد واقعاً لابأس به مقارنة بمراحلها السّابقة، وفي ذلك ما يشي بالبهجة والانشراح، على الرغم من هيمنة عالم الميديا والرّقميات، وخاصة في الألفية الثّالث، فهناك من يقرأ ليستمتع ويتسلى ويكتشف آفاق جديدة، وهناك من يقرأ لينجز بحثاً جامعياً أو مذكرة تخرجٍ، وهناك من يقرأ ليتداوى، وتتحوّل القراءة عنده إلى طقسٍ يوميٍّ حياتيٍّ، لكن ينبغي الاقرار أنّ شباب اليوم يقرأ الأدب أكثر من كلّ صنوف المعرفة والثّقافة".

نقلة نوعية

تلكم بعض الآراء، والمواقف تجاه واقع الأدب والقراءة والكتاب بالمغرب، صادرة من المهتمين بالشأن الأدبي المغربي، وهي كما سبق الذكر لا تختلف في الغالب عن الواقع العربي، لذا فمعركتنا من أجل الثقافة والأدب ينبغي أن تكون في الصدارة، ومن دون شك فالدولة ومؤسساتها سيما التربوية والتعليمية، والمثقف... يتحملون قسطاً كبيراً من المسؤولية، للعمل على إحداث يقظة أدبية وثقافية، وهي السبيل لإحداث نقلة نوعية داخل مجتمعاتنا، في زمن الثورة الثالثة، ونعني بها "الثورة المعرفية" التي جاءت مباشرة بعد الثورتين الصناعية والزراعية، وهذا ما ختم به بعزي كلامه أثناء تشريحه لواقعنا الثقافي والأدبي، وأصررنا أن ننهي به هذه السطور التي نأمل أن تكون نافذة لمعرفة همومنا الأدبية والثقافية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.