محمود محمد فهمي: قاصد مدينة الأموات - باث أرابيا patharabia

Last posts أحدث المواد

7/12/2022

محمود محمد فهمي: قاصد مدينة الأموات




محمود محمد فهمي *

كل الأماكن تُخبرك بسُكانها وإن رحلوا، فبعض الأثاث قد صُنعَ ليَروي قصة صاحبه، فهنا حيثُ أعتاد أن يجلس ساكن المدينة الأخير على هذا الكرسي، مازلت تستشعر هذا الدفء كلما اقتربت منه، ليس اشتياقاً لصاحبه الذي ما لبث أن فارقه، بل سَعياً لضحية جديدة من هؤلاء البشر الذين ربما قد استثقلوا الحياة بما فيها، فقرروا القدوم إلى هنا طواعيةً حيثُ تكون الحياة صفةً لا تُنسَب إلا للأحلام.

إن كان هذا أحد الأفلام التي صُنعت خصيصاً لاختبار صفة الإنسانية في قلوبنا لأنها قد صارت موضعاً للشك، فاسمحوا لي بالعودة قليلاً إلى الوراء حين كان صاحبنا رفيقاً لقلمه لأنه قد يئس من البشر وفضَّل أن يخبرنا هذا القلم ببعض الكلمات الأخيرة وربما نفطن إلى تلك الوصية التي لم نتكلف عناء العثور عليها برغم تردد أنفاسها الدائم من حولنا.

فلنضع كل شيء في نِصابه ونَصِف هذا المشهد كقطعة فنية لعلَّها تأتيك بالخبر اليقين، فهنا صاحبنا يتأرجح على كُرسيه الخشبي في حركةٍ تحسبها منتظمة وإن لم تكن، بالكاد ترى وجهه من هذا الدخان الكثيف فتحسبه شَرِه التدخين وإن لم يكن، يُعطيك هذا الانطباع بأنه في انتظار ضيف قد طال انتظاره فإذا جاء تغيرت كل قواعد اللعبة وإن سبقه الموت... فليكن.

تجده يتوقف عن الحركة بين لحظة وأخرى، ويتناول قلمه والذي لا يعلم متى ستكون تلك المرة الأخيرة التي يضعه جانباً ويتوقف عن الرد عن تساؤلات عقله:

"ألم تراودك أبداً تلك الهواجس بأنك ستموت وحيداً في نهاية الطريق، دون رفيق واحد لتخبره ببعض كلمات الوداع أو لتلمس في عينيه شعور الافتقاد نحوك؟".

ربما راودتني تلك الأفكار بضع مرات... أو ربما أكثر قليلاً، ولكن دائماً ما تأتي أخرى لتنال نصيبها من زعزعة استقرار نفسي، عن أنني المُلام الوحيد إن لم يكن أحد معي هناك حين تفارق أنفاسي الحياة، ربما الحقيقة التي تتجلى يوماً بعد يوم أنني لم أنجح بجعل أحدهم يحبني للدرجة التي يهرع اسمه إلى مُخيلتي حين يُوجَّه لي سؤالٌ مثل هذا، إن سألتني عمن أحببت سأجيب دون تردد أو تفكير، وإن كان له يوم قبلي (ولا أتمنى) فإن لم يُعطني كرسياً بجانبه لأُشاركه تلك اللحظات، فسأفترش الأرض إلى جواره" .

* طالب بكلية الطب، مهتم بالكتابة، مصر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق