قراءة في كتاب: أحداث ملتوية وتساؤلات كثيرة في "الحياة الجديدة" - patharabia

Last posts أحدث المواد

الثلاثاء، 19 يوليو 2022

قراءة في كتاب: أحداث ملتوية وتساؤلات كثيرة في "الحياة الجديدة"

رواية الحياة الجديدة لأورهان باموق


الروائي: أورهان باموق
ترجمة: سها سامح حسن
قراءة: حنان سلامة

يعد الروائي التركي أورهان باموق من أشهر كتاب عصره وذلك من خلال جهده ومثابرته في عالم الرواية العالمية، حصد الكثير من الجوائز داخل وخارج وطنه، ومن بين كتبه: الحياة الجديدة

فقد استهل الكاتب في بداية كتابه على عنصر التشويق من خلال واقع شخص يدرس الهندسة ويقرأ كتاباً بعنوان: الحياة الجديدة الذي اشتراه من باعة أحد الأرصفة، ومع قراءته للكتاب صفحة بصفحة تتغير حياته تدريجياً، بل أصبح يعيش حالة من واقع آخر تملكه، إذ تغيرت تصرفاته وأصبحت متبوعة بالقلق والوساوس، وكأنَّ هناك من يشده على قراءته لا بعده عن الكتاب الذي أصبح محيراً له، شده وجذبه نحوه حتى أحس بالوحدة وأنه يعيش بعالم غير عالمه.. عالم سيتعرف عليه قريباً، عالم لايفهمه ولايدرك بما ستفاجئه الأيام به.

فمن ناحية اللغة نجدها سهلة بسيطة وممتعة، تمتع للقارئ وتجعله يغوص في الرواية، مع سرد رائع مشوق، متبوع بضمير المتكلم الذي جعل البطل يسرد لنا حوادث غريبة تحدث معه بعد قراءته الكتاب.

إذ إنَّ المؤلف هنا قد عرفنا على حياة جديدة تنتظرنا وكأنه بطاقة ايجابية تجعلنا نتساءل: يا ترى هل نستطيع تغيير حياتنا، وماذا إن حاولنا ذلك؟ ثم يعرض لنا شخوص متكلمة، ولعل هذا ما يزيد الرواية تشويقاً، عن طريق البحث عن مؤلف ذلك الكتاب الذي لا يغادر محفظته، بحيث تعد محاولة السفر في الوجود وبحث فيها عن نفسه، إذ تعرض لكينونات النفس وخفايا الكائن الإنساني في عالم يسوده العبث واستدراج اللاوعي للتعرف على بواطن الوعي الباطن.

من حالة شك ويقين تصحب بطل الرواية، بوجود عالم غير العالم الذي يعيشه، ليشرح لصديقته جنان الرواية التي بين يديه، ويدلها على العنوان الذي شاهده بمحفظتها، لتفاجئه أنها قرأت ومتأكدة من وجود عالم هي أيضاً تحاول البحث عنه، إذ أصبح عبداً للكتاب لا يدري كيفية الخلاص منه من خلال قوله: "سأعمل كل شيء من أجل إيجاد العالم الذي بالكتاب". فترد عليه وقد وقع في حبها وتملكته حتى أطلق عليها اسم ملاك: ما أنت فاعله حتى تصل إلى العالم الذي بالكتاب؟ ليجيب عليها بدوره بعدما تجسد الحب والجمال فيها وخطف روحه ناحيتها: "لا أدري لماذا خطر ببالي السفر الطويل، الطويل جداً إلى حد عدم انتهائه، والمطر الأسطوري غير المتوقف...". فتنظر في عينيه وقد أحست بارتباكه: "هل ستكون راغباً في مواجهة الموت مثلاً، حتى لو عرفت أنَّ هناك من قتلوا فقط لأنهم قرؤوا الكتاب؟

إذ نجد ثقة البطل بعد حديثه مع جنان، وأنّه لا داعي للخوف ومتيقن بكلِّ ما يفعله، ليتفاجأ بعدها بغيابها عنه، والشوق والحنين الذي تملكه بعد آخر لقاء معها، مشاعر متضاربة تصارع بإيجاد وسيلة يحافظ فيها عن ملاكه جنان وبين رحلة البحث عن العالم الذي شده مذ وهلته الأولى في القراءة.

تطرق أيضاً الكاتب إلى عدَّة فصول وكل فصل يسرد لنا حالة وقعت للبطل، وتعرفه على زميل قرأ مثله الكتاب، ولكنَّه نجا وهو مؤمن أنه يوجد عالم سيذهب إليه كل من آمن بالكتاب، وأنهم يقتلون الناس من دون رحمة بعد بحثه ولقائه مع الموت وهو يحوم من حوله فقط.

لكن إصرار الراوي في العثور على ذاك العالم كان نتيجه بحثه عن جنان، ربما ربط رحلتها بها، متيقناً أنه سيجدها، وستعود معه إلى البيت ويتزوجها، يناديه الكتاب ليخترق فصوله ويحقق مراده وفق حياة جديدة، متغيرة، مختلفة، بها أناس غير الذين عرفهم بحياته، ممزوج بالخيال الذي ربط به تفكيره من خلال الضوء المتدفق والمنبعث من الكتاب.

حالة من الذهول تصيب الراوي حين إقلاعه وركوبه من حافلة إلى أخرى، سأم تسلط به وعليه، حزن جعله وحيداً لا يفكر بشيء سوى لقائه مع والدته، من شاب وسيم إلى شاب مشرد متجرجر على الطرقات التي تؤديه إلى أماكن مجهولة وبلد مجهول تعرف عليه فقط في الكتاب.

أحداث ملتوية تسرد بعضها البعض، تعرفه على أناس آخرين ومن ثم إيجاد ملاكه جنان، شبه تجوله هذا بلعبة يركض خلفها وبمثابة ضحية لمكيدة مدبرة من قبل، لكن من المسؤول؟

تساؤلات كثيرة وقعت بخاطره وهو يقرأ التقارير التي وجدها بأحد المنازل، راكضاً وراء حقيقة مجهولة، حقيقة تختفي حتى تظهر حقيقة بعدها، ويستمر الوضع إلى أن تغيب جنان مرة أخرى، راحلة عنه دون إخباره بذلك، ليقرر العودة إلى حيث كان موجوداً قبلاً، بعيداً عن الكتاب وكل من عرفهم بداخله.

كما يعرض لنا في الفصل الأخير زواج البطل بفتاة غير التي أحبها قلبه وإنجابه ابنة، لكن الحياة غير العادلة تناديه من أجل صفقة عمل، وهناك بالطريق يرى ضوءاً غير الضوء المعتاد الذي يشاهده، ضوء في شخصية ملاكه، كانت قريبة منه وبعيد عنها جداً، لكن المفاجأة أنها كانت حياة جديدة بنهاية حياته.

رواية مشوقة ورائعة جداً، وهذا ما جعلني اختارها كوني من المعجبين بأعمال الروائي العالمي أورهان باموق، ونظراً لأسلوبه الفذ والجميل، غُصت في قراءة الرواية مستمتعة بأحداثها لما تجود به من تجارب وتحولات مؤثرة، فقد عرض لنا الروائي مجموعة من الأحداث الرائعة التي تجذب القارئ كما جذبت بطل الرواية، واقعاً تحت سحر الكتاب يستعرض لنا عالم إسطنبول.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.