حامد محضاوي: التشظّي النفسي وضرورة ترميم الذات - patharabia

Last posts أحدث المواد

الثلاثاء، 12 يوليو 2022

حامد محضاوي: التشظّي النفسي وضرورة ترميم الذات


حامد محضاوي

حامد محضاوي *

البعد النفسي ليس بحثاً في الأسباب المعلنة بقدر ما هو تشريح للفواصل الغامضة. الرؤية الانطباعيّة أو التّحليل النفسي الطبّي لا يستقيم في فكّ المعادلة. في عديد المواضع لا يجب التّعامل على أساس راهنية البحث عن علاج، بقدر ما هو تحليل وتفكيك للحالة. معايشة بعيدة عن منهج التقييم الطبي.

هي منطق تفاعلي خارج وصفات العقاقير وحبّات الدواء. هذه الأخيرة في الغالب ما تلعب أدوار جزئية لا تتجاوز فعل التّخدير والتهدئة، وبانعكاسات سلبيّة على المدى الطويل.

الفواصل الغامضة لا يمكن فهمها أو سبر أغوارها في إطار علاقة تراتبيّة "طبيب ومريض"، إذ إنّها تكون في إطار لقاء محدود زمنيّاً ومكانيّاً ضمن آليّات توصيف تقليديّة؛ تبحث أكثر في المرئي، وما تأتي به مجموعة الحكم الطبيّة، التي تكون في الغالب نفسها مع مختلف الحالات. من هناك، تفقد التّجربة الذاتية حضورها في مدى الاهتمام وسبل استنطاق فواصلها الغامضة. يبقى مجال التّوصيف بحسب الأسباب المتداولة والعلامات المعدّة سلفاً هو البوصلة التي تشير، لكن لا تقدر على ولوج المكامن الفرديّة والتّفاعلية للحالة المخصوصة.

إنّنا من خلال هذه القراءة لا نغلق الباب على الجانب الطبّي. نتحدّث فقط عن جانب يمكن أن يكون فيه الحل قبل الوصول للخيار الطبّي المتداول. في ظلّ واقع مازال يعتقد في عدم رجاحة التواصل والتردّد على زيارة اختصاصيين نفسيين من ناحية، ومع تنامي الظواهر المتنوّعة حتى أصبحت مجالاً لأجساد نفسيّة واهنة؛ فإنّ المجال وجب ان يتّخذ رؤية وسطاً تتطلّب تفعيل الاعتمالات اليوميّة من علاقات وروابط لمحاولة تحجيم هذا المد السّلبي. الوسيط بالطبع لا يكون من خارج الإطار المحيط.

مازال الرأي الشعبي العربي في عمومه يعتقد بأنّ الوهن النفسي بغير جدوى، يجنح إلى تصنيفه في مخرجات متعدّدة منها المزاجي والسّطحي.. هذا الاستشراء لظاهرة عدم المبالاة خلق مشاكل متعدّدة في مستوى التبعات، مظاهر الانتحار في أوساط الشّباب والأطفال، تنامي الكآبة ومظاهر العزلة، تشظّي الواقع الجمعي؛ هي وغيرها جملة مخلّفات تُرى، ولكن لا أحد يريد ان يتبيّن نطاق تشكّلها الحقيقي أو بالأحرى مازالت خاضعة لرؤية أحادية سطحيّة. منطق العولمة اليوم أدّى إلى خلق نسق متسارع وخلق نظرات تفاعل متباينة، أدّت إلى إفراز مظاهر مرضيّة منها الروتين وأولويّة المعيار الاستهلاكي، وتفاقم الفوارق بمختلف تمظهراتها. هذا شكّل شبه غربة عن الفعل الإنساني لفائدة الاعتمال المادي الصّرف. هذا السّير الأعرج خلق نسقيّات متباينة جدّاً في مستوى تعريف الإنساني وجملة التّناقضات التي تسري في هشيم الفعل. من هنا، يمكن أن نتبيٌن مدى تضاؤل قيمة التواصل في بعده الإنساني لفائدة الاتصالي بوسائط افتراضية ظرفيّة؛ حتى أصبحنا نرى مشاغل افتراضية واسعة وشبكات اتصال يوميّة ولكن بوسائط آلية لا إنسانية واقعيّة. الظّاهر أصبح مقنّعاً ولا أحد يلبس عري ذاته. هذا ما خلق شبه تشوّه في التّصور الواقعي؛ حيث نرى أجساد واقعيّة في رؤى متباينة. لا يكشف عن غربتها أو احتمالاتها الداخليّة إلّا جملة القضايا الارباكيّة الذاتيّة بعيداً عن سوق الواجهات الافتراضية.

الإطار اليوم مطالب بجمع هذا الشّتات، لا بصفة أمر أو هيكليّة فوقيّة، ولكن عبر انتماءات الأفراد للنقد الذاتي. الاقتناع بالمشكل جزء من معادلة التّجاوز. هذه القناعة يمكن أن تفتح باب العلاج، لا كمعيار طبي كما أسلفنا الذكر، ولكن عبر مسارات أخرى تفاعلية.

أهمّ هذه المسارات ما يعرف اليوم بالعلاج بالفن؛ حيث أصبح هذا الاشتغال من أهمّ الحلول التي يخوض فيها العالم المتقدّم، أصبحت فعلاً حقيقيّاً في مواجهة آفات العصر من روتين وأعصاب… أصبحنا نسمع عن العلاج بالموسيقى، المسرح العلاجي، والرقص العلاجي.. ومن ناحية أخرى يمكن أن تكون الفنون متنفّساً ذاتيّاً يقوم به الفرد بنفسه، مثل الكتابة بأنواعها وما تمنحه النفس من حرية ومساحة للتعبير وتحويل المشكل الداخلي إلى إطار للإبداع.

* كاتب تونسي مهتم بالمجالات الإبداعية والفكرية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.