د. محمد عمر التونسي: من ظلمات الفقر إلى رخاء العلم - patharabia

Last posts أحدث المواد

الثلاثاء، 2 أغسطس 2022

د. محمد عمر التونسي: من ظلمات الفقر إلى رخاء العلم


د.محمد عمر التونسي

د. محمد عمر التونسي *

قد يعتقد البعض أن العلم رفاهية لا يجوز لفقراء الأمم أن تمارسه كأسلوب حياة. الصادم في هذا التصور أن كثيراً ممن يتبنون وجهه النظر هذه هم من يفترض أن يقودوا البلاد نحو الأفضل.

الناظر منا عبر تاريخ الأمم سيجد الحقيقة الساطعة كالشمس في وضح النهار، وهي أن من الأمم من اتخذ العلم سبيلاً فانتهى بها إلى الرخاء والقوة. رخاءً تجلى في كفاف الشعوب وقوة تمثلت في استقلال القرار. أما هؤلاء الذين يغرقون في محيط الفقر يوماً تلو الآخر ولا يملكون من قرارهم شيئاً، هم من اختاروا، أو بالأحرى فرض عليهم الجهل أسلوباً والخرافة منطقاً والتبعية قدراً محتوماً.

التصور الخاطئ، ولكن للأسف الشائع، عن مكتشفات العلم يدعو عموم الناس إلى التواكل والتكاسل وإلى انتظار حدوث المعجزة، والتي لن تجيء، فكثيراً ما نسمع عن دور الصدفة في اكتشاف اسحاق نيوتن للجاذبية حين كان جالساً تحت شجرة التفاح المباركة. وعن خيال آلبرت آينشتين أثناء صعوده بالمصعد في المبنى الذي كان يعمل به كموظف براءات الاختراعات، المصعد الذي قاد آينشتين إلى صياغة أجمل وأعقد نظرية في الفيزياء وهي نظرية النسبية الخاصة. ويتغافل الحاكي، إما عمداً أو جهلاً، عن سنوات الدراسة والبحث السابقة للحظة التتويج التي تجمع خلاصة الخبرات التي دامت لعقود في سطور قليلة تفصح للقادم من الباحثين عن سر جديد من أسرار الكون وتخطو بهم خطوة للأمام.

القليل منا تساءل كم محاولة فاشلة أجراها تـوماس أديسون ليحصل على المعدن المناسب والظروف المناسبة لإنتاج أول مصباح كهربائي؟ الإجابة 2774 محاولة. والذي لا يعرفه الكثير هو ما قاله أديسون عن محاولاته. قال (إنني لم أفشل ولكنني اكتشفت 2773 طريقة غير ناجحة)، فما نسميه نحن فشلاً يراه العالم خطوة نحو النجاح. والسؤال الآن ماذا لو توقف أديسون في تجاربه عند المحاولة 2773؟ الإجابة إن حدث هذا لتأخرت الإنسانية جميعها لوقت غير قليل. فما أتى به أديسون غير وجه العالم وصار معه المستحيل ممكناً. فبكل ثقة نقول إن العالم قبل المصباح الكهربائي يختلف عن العالم بعده. فما فعله أديسون لم يكن مجرد مشروع اقتصادي لإنتاج سلعة وبيعها والتكسب منها ولكن حول كوكبنا إلى نهار دائم. والأمثلة على هذه الاختراعات والاكتشافات تتوالى بلا حصر.

حقيقة إن من يغير واقع الشعوب هم أفراد ولكن من يقف خلف هؤلاء الأفراد ويؤمن بقدراتهم لا يقل في أهميته ومساهمته عن العالم أو المخترع أو المكتشف نفسه. ولنا في قصة كارل الموعظة. ولد طفل لعائلة فقيرة ولم يكمل عامه الثاني حتى توفي أبوه وتولت رعايته أمه. وحين بلغ الخامسة عشرة كان من السهل على أمه أن تدفع به إلى سوق العمل ولن يلومها أحد فقد بذلت من الوقت والجهد ما يكفي. ولكن إيمان الأم بذكاء وتفوق ابنها جعلها تؤثره على نفسها فأرسلته لدراسة الهندسة في الجامعة. لم يخيّب كارل أمل أمه وتخرج بتفوق وحصل على درجة البكالوريوس في الهندسة الميكانيكية في العشرين من عمره. كانت الظروف غاية في الصعوبة ولكن إيمان كارل بحلمه كان أقوى. وهنا يأتي دور الرفيق الذي قد يكون دافعاً ومحفزاً للنجاح أو العكس. فأعطته زوجته مهرها ليبدأ مشواره نحو تحقيق حلمه. وفي غضون سنوات قليلة ظهر للبشرية اختراع جديد غير مفهومها عن وسائل النقل والمواصلات. في عام 1885 قدم للعالم المهندس الألماني كارل بينز أول محرك سيارة يعمل بالجازولين، أبطال هذه الملحمة ليس فردا، فلولا إيمان الأم والزوجة والمجتمع بأهمية التعليم وقدرات العلم في تغير واقع الفرد والمجتمع لتأخرت الإنسانية لسنين عدة.

الغريب أن الفرق واضح وآليات التغيير ليست سراً، ولكن التعنت غير المبرر في عدم فهم معادلة غاية في البساطة يجعلنا نتساءل. إن كانت مدخلات هذه المعادلة هي الجهل والخرافة فالمخرجات الحتمية هي التخلف عن الركب والتبعية للغير والاعتماد عليه، والوقوع فريسة سهلة يستغلها كما يحلو له. أما إذا كانت المدخلات تعليماً جيداً فالمخرجات الحتمية أيضاً ستكون اكتشافات واختراعات وابتكارات وسلعاً جديدةً وتجارةً مربحةً ورخاءً مجتمعياً واعتمادية على الذات واستقلالية في القرار. فالعلم ووعي المجتمعات هو الحل.

*أستاذ البيولوجي بجامعتي سوهاج- مصر، وكالجري -كندا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.