د. فيصل رضوان: مخاوف الانتشار العالمي لجدري القرود وبشائر الأمل - باث أرابيا patharabia

Last posts أحدث المواد

8/09/2022

د. فيصل رضوان: مخاوف الانتشار العالمي لجدري القرود وبشائر الأمل

د.فيصل رضوان


د. فيصل رضوان *

إن خطر تفشي مرض جدري القرود عالميًا يعد بمثابة تهديد آخر للصحة العامة، يضع العالم في حالة تأهب، مرة أخرى قبيل إعلان فرحة الوصول إلى خط النهاية في سباق مرير مع جائحة كورونا.

في السابع من مايو الماضي كانت أول حالة موجبة لجدرى القرود، أُعلن عنها فى بريطانيا، لمريض بعد أيام من وصوله من نيجيريا، وبنهاية شهر مايو الماضي تواصل الإبلاغ عن أكثر من 350 حالة موجبة فى 24 دولة حول العالم من الأمريكتين وأوروبا وشمال أفريقيا والشرق الأوسط وأستراليا.

في 23 يوليو الماضي أعلنت منظمة الصحة العالمية (WHO) أن تفشي مرض جدري القرود يمثل حالة طوارئ صحية عامة تثير قلقًا دوليًا. ومع نهاية الأسبوع الأول من أغسطس الحالي، تم الابلاغ عما يقارب 29 ألف حالة مؤكدة في 82 دولة حول العالم، عانى معظم المرضى أعراض الإصابة بجدري القرود.

ما هو جدوى القرود؟

جدرى القرود Monkeypox يسببه فيروس ابن عم الجدري المعروف، لكنه أكثر رحمة من الفيروس المسبب لوباء الجدري Smallpox المميت، الذي أعلنت منظمة الصحة العالمية أن حملات التلقيح العالمية نجحت في استئصاله تماماً منذ عام 1980. بينما ظهرت أول حالة إصابة بشرية بجدري القرود عام 1970 بجمهورية الكونغو الديمقراطية، بعد اتصال شخص ما بحيوان بري مصاب، واستمر انتقاله إلى بلدان مجاورة بالمنطقة، حيث يعتبر من الأمراض المستوطنة في غرب ووسط أفريقيا. يظهر فى بعض المواسم، ويتم احتواؤه بسرعة، أو يختفي من تلقاء نفسه. يسبب الفيروس حمى وصداع وتورم العقد الليمفاوية، يليها التهابات وبثور جلدية تشبه تلك الخاصة بالجدري. من حسن الحظ أن العدوى لا تنتقل بسهولة، ويمكن الحد من انتشار الفيروس عادةً عن طريق عزل الحالات.

كيفية انتقال العدوى بين البشر

عادة ما ينتشر جدري القرود من خلال الاتصال الوثيق والتلامس بين البشر، وخصوصًا التلوث بإفرازات اللعاب والجهاز التنفسي، أو دماء المصابين. وعلى الرغم من أن جدرى القرود يمكن أن ينتشر من خلال ملامسة الأسطح الملوثة، فإن طريقة الانتقال هذه نادرة للغاية. وقد أظهرت نتائج منشورة لباحثين من نيجريا، عام 2017م، إمكانية عظيمة للعدوى عن طريق الاتصال الجنسي والسائل المنوي، والذي أظهرته شواهد تقرح حول الأعضاء التناسلية وحول الفم، ضمن الحالات المؤكدة التي تم الإبلاغ عنها. وكان كثير من الحالات الأولية التي تم توثيقها في إسبانيا من الرجال الذين مارسوا الجنس مع الرجال أو ضمن المتحولين جنسياً شاركوا فى احتفالات للمثليين في جزر الكناري.

بدأ الباحثون في دراسة المادة الوراثية للفيروس (DNA) والكشف عن الطفرات التي يمكنها أن تجعله أكثر خطورة أو أكثر قابلية للانتقال. حيث أظهرت التسلسلات الجينية عدم وجود دلائل على أن هذا الفيروس قد اكتسب طفرات تزيد من كفاءته في الانتقال من شخص لآخر. ولأنه فيروس (DNA)، فإن لجدري القرود آليات إصلاح جيني أفضل بكثير من فيروسات (RNA) مثل فيروس نقص المناعة (HIV) و(السارس SARS-CoV-2) المسبب لجائحة كوفيد-19، مما يعني أنه يتغير بشكل أبطأ مما يقلل من إمكانية التحور لسلالات جديده تشكل تهديدًا أكبر للإنسان.

 والخبر السار هنا هو أن نسخة جدري القرود المنتشرة في جميع أنحاء العالم - قريبة من سلالة في غرب أفريقيا - خطورتها المرضية تقل عن 1% في مجموع المصابين وتزداد عند الأطفال، والأشخاص الذين يعانون من ضعف مزمن في جهاز المناعة.

طرق علاج جدرى القرود

تعتمد استراتيجية احتواء تفشي مرض جدري القرود دائمًا على تثقيف الناس صحيًا، والعثور على الحالات مبكرًا لتقليل فرصة نقل الفيروس. وفي الوقت نفسه يتم استخدام اللقاحات التي تقي من المرض حتى بعد 4 أيام من اكتشاف الإصابة بالفيروس. 

 وقد تم ترخيص لقاحين من قبل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA). الأول، جرعة واحدة من لقاح صنعته شركة Emergent BioSolutions، يشبه لقاح الجدري المستخدم أثناء حملة الاستئصال العالمية، حيث إنه يتسبب في إعياء شديد لدى الأشخاص الذين يعانون من ضعف في جهاز المناعة. اللقاح الآخر Jynneos صنعته شركة Bavarian Nordic، يستخدم شكلاً من اللقاح الأول، لكنه مصمم خصيصًا لتقليل الآثار الجانبية، ويتطلب جرعتين تفصل بينهما 4 أسابيع. تشير الدراسات التي أجريت على الحيوانات إلى أن الجرعة الأولى تعمل بشكل أسرع من لقاح Emergent BioSolutions، بينما تزيد الجرعة الثانية من متانة الحماية.
للآسف الشديد فإن التقارير المبدئية لمنظمة الصحة العالمية تشير إلى أن كلا اللقاحين غير متوفرين بشكل كاف حول العالم.

المضادات الفيروسية

أما العلاجات الأُخرى فهي المضادات الفيروسية antivirals، منها عقار تيكوفيريمات tecovirimat الحاصل على خاتم اعتماد عام 2018م من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية لعلاج الجدري بعد أن ثبت أنه آمن في التجارب البشرية وفعال في الحيوانات التي أُعطيت فيروسات وثيقة الصلة. 

 كما وافقت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية على عقار آخر للجدري، وهو برينكيدوفوفير brincidofovir. وعلى الرغم من عدم الموافقة على أي من العقارين السابقين لعلاج جدري القردة بشكل خاص، فقد أظهر كلاهما نتائج واعدة ضد الفيروس في الدراسات التي أجريت على حيوانات تجارب.
ونجح الأطباء من خلال التجارب السريرية في التأكد من أن عقار تيكوفيريمات لم يتسبب في آثار جانبية ويبدو أنه يؤدي إلى انخفاض كبير في مستويات الفيروس والتعافي بشكل أسرع.

*أستاذ التكنولوجيا الحيوية الطبية -الولايات المتحدة الأمريكية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق