الناقد سعيد ياسين يكتب عن المبدع كرم مطاوع في ذكرى رحيله - باث أرابيا patharabia

Last posts أحدث المواد

9/11/2022

الناقد سعيد ياسين يكتب عن المبدع كرم مطاوع في ذكرى رحيله

كرم مطاوع 


القاهرة: باث أرابيا

تحت عنوان شخصيات من ذهب على حسابه على مواقع التواصل الاجتماعي فيس بوك كتب الناقد المصري سعيد ياسين عن نجم المسرح الراحل كرم مطاوع قائلاً:

أديتُ المشهد الأخير من مسرحية "كاليجولا" للكاتب الفرنسي الكبير ألبير كامو، وهو كان مشهد اللغة العربية الفصحى، ومشهد العامية من مسرحية "المتفائل" للكاتب علي سالم، وكنت قد تدربت على المشهدين مع الأفاضل الأعزاء الدكاترة مصطفى سليم وأيمن الشيوي وعلاء قوقة، والفنان حمادة شوشة.

كان الاختبار يعقد في إحدى قاعات الطابق الثاني في مقر المعهد العالي للفنون المسرحية في أكاديمية الفنون، وكان الفنان الدكتور سعد أردش رئيساً للجنة الاختبار التي ضمت في عضويتها السادة الدكاترة والفنانين جلال الشرقاوي وكرم مطاوع ونبيل منيب وسناء شافع وسميرة محسن وعبدالرحمن عرنوس، علماً بأن أردش كان قد أخرج عام 1992 مسرحية "كاليجولا"، وقام ببطولتها نور الشريف وإلهام شاهين وكمال أبو رية وخليل مرسي وأحمد حلاوة ومحمود البنا وعثمان الحمامصي.

بعد الاختبار وخروجي من القاعة، وقبل نزولي السلم إلى الطابق الأرضي وجدت الدكتورة سميرة محسن تجري خلفي وتناديني، وطلبت مني العودة إلى القاعة، وصعدت على الخشبة مجدداً، وبادرني الدكتور سعد أردش متسائلاً باستفزاز بعدما فرغ من قراءة أوراق تقديمي للمعهد: السعيد ابراهيم عبدالصمد ياسين.. خريج تجارة الإسكندرية.. هناك قسم للمسرح افتتح في آداب الإسكندرية.. لماذا لم تلتحق به؟
أجبته بهدوء وثقة: لأنني أريد أن أكون نجماً.
سأل مسترسلاً: أو في الإسكندرية لن تستطيع أن تكون نجماً؟
أجبته بنفس الهدوء والثقة: على الأكثر ربع نجم وليس نجماً كاملاً.
علت نبرته مستنكراً: من غير مناهدة وفلسفة قل لي: انت ليه جيت القاهرة ومكملتش دراسة مسرح في آداب إسكندرية.

أجبت: لأن رواد الحركة المسرحية موجودون في القاهرة وليس الإسكندرية، ولأن أساتذتي من أمثالكم نجوم كبار ساطعة، وحين يكون أساتذتي نجوماً فسأكون نجماً وليس ربع نجم.

كان أعضاء اللجنة ما بين مبتسم، وكاتم لضحكته، ومنشغل بدأ يترقب الموقف بانتباه. وحده الدكتور كرم مطاوع ترك ما كان يتصفحه من أوراق أمامه وخلع نظارة القراءة وبدأ ينظر بتركيز وإعجاب أنهاه بالتصفيق والضحك. وسألني انت منين من دسوق؟ فأجبته من قرية "لا صيفر البلد"، وعرفت لاحقاً أنه يمت بصلة قرابة لعائلة مطاوع في قريتي وفي مركز دسوق.

وخرجت من أمام اللجنة مزهواً بثباتي الانفعالي وبعدم اهتزازي تحت أي وضع وأمام أية أسئلة أو طلبات، وهو ما كنت تدربت عليه وقمت بالاستعداد الجيد له بناءً على نصائح السادة المدربين والزملاء السابقين.

ومرت الأيام سريعاً، ولم أنم ليلة ظهور النتيجة، ومبكراً تحركت من مصر الجديدة حيث أسكن، وقطعت شارع جمال الدين الأفغاني ما بين شارع الهرم ومقر المعهد هرولة، وقابلت الدكتور كرم بالصدفة على باب المعهد فألقيت عليه تحية الصباح، وفوجئت به يقول لي: على فكرة.. انت كويس.
سألته متلهفاً: يعني نجحت؟
أجاب: ده مش مقياس
بادرته: يعني سقطت؟
الراحل كرم مطاوع مع زوجته سهير المرشدي

وأكدت له أن النجاح في المعهد، ومن ثم الدراسة فيه، هو ضمانة للحصول على مصروف أو مساعدة مالية تساعدني على الإقامة في القاهرة، أما السقوط فيعني العودة إلى القرية والاستسلام لضغوط الأهل بضرورة العمل بمؤهلي الجامعي في أية وظيفة حكومية، أو السفر مثل زملائي إلى إحدى الدول العربية للعمل محاسباً، وهو ما كنت أحاول الهرب منه طوال الوقت.

أخبرني الدكتور كرم أن الإذاعة المصرية أعلنت قبل أيام عن حاجتها إلى ممثلين، وما عليّ سوى التقدم بنفس المشاهد التي اختبرت بها أمام لجنة معهد التمثيل.

وبالفعل تقدمت للاختبارات ونجحت واعتمدت ممثلاً في الإذاعة المصرية بأجر قدره 15 جنيهاً في نصف الساعة، وذهبت إليه في استوديو الأهرام حيث كان يصور دوره في مسلسل "أرابيسك"، وشكرته وأكدت له أنه السبب في تغيير كل خططي في الحياة، ولولا أنني قابلته يوم إعلان النتيجة لعدت إلى القرية.. واقتربت أكثر وكنت أحرص على زيارته في المعهد أو في استوديو 10 و5 في مبنى التلفزيون، حيث كان يشارك في مسلسلي "الصبر في الملاحات" و"الحفار"، ووجدته إنساناً في غاية الطيبة والثقافة والنبل والجمال والعطاء، إلى جانب المرح وحب السخرية والضحك على عكس هالة الجدية والصرامة التي كانت ترتسم على ملامحه طوال الوقت، والطريف أنه حين علم بأنني أجيد تقليد عدد كبير من الفنانين، وهو واحد منهم، كان كلما سنحت الظروف يطلب مني تقليده ويضحك من قلبه، وأبلغني أن عشقه للتمثيل بدأ من خلال تقليده لأفراد عائلته وهو صغير، وأصبت بصدمة شديدة حين علمت بوفاته في التاسع من سبتمبر 1996.

أستاذي ومعلمي الفاضل الفنان والمخرج الرائع الدكتور كرم مطاوع.. كانت لك أياد بيضاء كثيرة عليّ، وكنت سبباً في بقائي في القاهرة حتى الآن، وهو ما أؤكده دائماً لابنتك الموهوبة الجميلة حنان مطاوع، ولزوجتك المخلصة سهير المرشدي، وأردد عليها في كل لقاء أنه لولا وجودك في حياتي ونصيحتك لي ما أكملت مشواري في الفن ومن ثم الصحافة، ولكنت موظفاً حكومياً فاشلاً يخصم مني أكثر مما يضاف إلي.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق