الناقد سعيد ياسين يكتب عن جلال الشرقاوي "مؤسسة" الإخراج والتمثيل والإنتاج - باث أرابيا patharabia

Last posts أحدث المواد

9/18/2022

الناقد سعيد ياسين يكتب عن جلال الشرقاوي "مؤسسة" الإخراج والتمثيل والإنتاج

جلال الشرقاوي

القاهرة: باث أرابيا

عن المبدع الراحل الدكتور جلال الشرقاوي الذي يعد بمثابة مؤسسة الإخراج والتمثيل والتأليف والإنتاج الفني يكتب الناقد الفني والكاتب سعيد ياسين على حسابه بموقع التواصل الاجتماعي فيس بوك، وذلك من خلال العلاقة التي ربطته به عن قرب عبر مشواره ومسيرته الفنية، وقال ياسين:

عرفت الفنان والمخرج والمنتج والمؤلف والمُعلّم الدكتور جلال الشرقاوي الذي يعد أحد العلامات البارزة في المسرح المصري والعربي وتحديداً في لونه السياسي، للمرة الأولى في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، حين عرض التلفزيون عام 1986 مسلسل "الحب وأشياء أخرى" من تأليف أسامة أنور عكاشة وإخراج إنعام محمد علي، ويعد واحداً من أفضل المسلسلات الرومانسية في الدراما العربية، وجسد فيه الشرقاوي شخصية طبيب كبير يملك مستشفى يورثه لابنته، وعلى الرغم من سطوته والفارق الاجتماعي بين ابنته والشاب "سامح" خريج معهد الموسيقى تنجح الابنة في الارتباط بمن تحب، وسيطرت عليّ حالة من الضيق والغضب تجاهه كونه في الأحداث لم يبارك قصة الحب ثم الزواج.

وتمر الأيام سريعاً وعقب تخرجي من جامعة الاسكندرية، أحضر إلى القاهرة لألتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية، وأثناء اختبارات قسم التمثيل والاخراج في سبتمبر 1994 وقفت أمامه وجهاً لوجه، حيث كان عضواً في اللجنة التي ترأسها الراحل سعد أردش، وبعد شهرين رشحني له المؤلف محمود الطوخي، واختارني للمشاركة في مسرحيته الشهيرة "دستور يا أسيادنا" من تأليف الطوخي وبطولة أحمد بدير وخليل مرسي وأحمد فؤاد سليم وأحمد حلاوة وفتوح أحمد ومجموعة كبيرة من الوجوه الجديدة وقتها، ومنهم نرمين الفقي وأحمد وفيق وداليا مصطفى وعبير صبري وشادي سرور وأحمد زاهر وصفاء جلال ومحمد جمعة ومحمود منصور ووائل أبو السعود وعصام مصطفى ووائل علي وأيسم محمد وآخرين.


وأثناء بروفات المسرحية ثم عرضها اقتربت منه أكثر، ومع الوقت تبدلت صورته التي ترسخت في ذهني، وأيقنت أنه برغم ملامحه الجادة وديكتاتوريته التي تبدو عليه وعرفه بها الوسط الفني، يملك روحاً مرحة وطيبة، وقلباً حنونا من ذهب.

مشادة واعتذار

وأتوقف عند موقفين للدكتور جلال أثناء مشاركتي معه في "دستور يا أسيادنا" زادا من حبي وعشقي له. الأول حين حدثت مشادة بيني وبين أحد مساعدي الإخراج قبل رفع الستار مباشرة في إحدى ليالي العرض، ولأنني كنت وقتها ومازلت "فلاحاً غشيماً" لا يعرف التنابز بالألقاب أو الشتيمة، ضربته ضرباً مبرحاً، ويبدو أن ما فعلته لاقى صدى طيباً في قلوب بعض زملائي الذين كانوا يتوقون للفعل نفسه، لدرجة أننا قضينا الليلة معاً بعد العرض على كورنيش النيل في ما يشبه الاحتفالية، وحضرت في موعدي في اليوم التالي، فوجدت مؤلف المسرحية محمود الطوخي الذي كان يقول عني إنني مؤدب أدباً فرعونياً، يكيل لي الاتهامات، ويؤكد أنني مخطئ، ووجدت حالة استياء كبيرة من زملائي الكبار في المسرحية، وأصر الطوخي على أن يريني ما حدث من كدمات وإصابات لمساعد المخرج، واستأت كثيراً من نفسي وقمت بالاعتذار له، ولكن هذا لم يشفع للزملاء الغاضبين، وأثناء إجراء تعديل على حركة مسرحية قبل رفع الستار، وجدت الشرقاوي يقول لي: "يا ياسين ما تمشيش يا بابا بعد العرض علشان عاوزك"، وبالفعل جلست معه، واستمع الىّ بإنصات شديد وأدرك أن ما فعلته كان رد فعل، وأنصفني بشكل أبوي لمسته بوضوح برغم أنه لم يعلنه، ولكن لمسته في ابتسامته الحانية وطبطبته على ظهري بقوله: متعملش كدة تاني.

وكان الموقف الثاني بعد فترة، وفي نفس المسرحية حين حدثت مشادة بين بطل العرض وبطلته ووصلت الاتهامات بينهما الى المحاكم، وعقدت لجنة تحقيق في نقابة المهن التمثيلية، وكانت شهادتي بمثابة النقطة الفارقة في المشكلة، وهو ما أغضب الفنانين الذين يميلون بقلوبهم للنجم، أما الشرقاوي الذي كان يحكّم عقله فأنصف موقفي الواضح وشهادة الحق التي شهدتها بشكل مطلق وواضح.


علاقة وطيدة

بعد ذلك توطدت صلتي به بدرجة كبيرة، وأجريت معه العديد من الحوارات الصحفية، وصارحته برغبتي في كتابة قصة حياته في حلقات صحفية أكشف فيها عن رحلته الطويلة المليئة بالعطاء إنسانياً وفنياً، وكنت أستغل الفترة التي عملت فيها في "الطبعة العربية" في صحيفة "الأهرام" ما بين عامي 2005 و2006 في المرور عليه في مكتبه في مسرح "الفن"، وأسجل معه ما تيسر في حالة سمحت ظروفه وحالته المزاجية، وتحدثنا طويلاً حول سبب اختياره اللون السياسي في مسرحه عن عمد، حيث أكد أن المسرح سياسة منذ أن بدأ عام 500 قبل الميلاد، فرواية "الفرس" التي وصلتنا عن انخيلوس كانت عبارة عن صراع بين الديكتاتورية ممثلة في بلاد الفرس والديمقراطية ممثلة في اليونان، وهذه هي أول مسرحية وصلتنا في التاريخ، وينطبق هذا الأمر على عصرنا الحالي، وحرصه على أن يكون "الفكر والفرجة" عنوان مسرحه، وهو قال لي نصاً: "حين نخاطب مخ وعقل المتفرج يجب أن نخاطب عينيه وأذنيه وباقي حواسه ووجدانه ونجعله يستمتع"، وكثيراً ما أكد لي أنه المنتج الوحيد الذي يستطيع تحقيق أحلام المخرج بداخله، والدليل مسرحياته السياسية التي حققت اكتساحاً جماهيرياً، ومنها "ع الرصيف" و"عطية الإرهابية" و"دستور يا أسيادنا" و"حودة كرامة"، إلى جانب مسرحياته الأخرى، ومنها "عودة الروح" و"عفاريت مصر الجديدة" و"مدرسة المشاغبين" و"كباريه" و"تمر حنة" و"قصة الحي الغربي" و"الجوكر" و"إنهم يقتلون الحمير" و"طبيب رغم أنفه" و"البغبغان" و"راقصة قطاع عام" و"افرض" و"انقلاب" و"بشويش" و"المليم باربعة" و"بحبك يا مجرم" و"تتجوزيني يا عسل" و"الخديوي" و"الجنزير" وغيرها.

موقعه الوحيد

وخصصت تسجيلات أخرى معه للحديث حول حرصه ليكون موجوداً في المسرح باستمرار، وكيف نجح بفضل إصراره، بخاصة وأنه ليس له أي موقع غير المسرح الذي يكاد يكون موقعه الوحيد الذي يبث فيه أفكاره ووجهات نظره من خلال العمل الفني الذي يحتوي على كل عناصر الفرجة، وعن أعماله التي كان يحلم بتنفيذها، وفي مقدمتها "الحسين ثائراً"، وطالب في الحوار بالإفراج عن روائع المسرح المصري التي كتبها عبدالرحمن الشرقاوي ورشاد رشدي وسعد الدين وهبة وألفريد فرج ونعمان عاشور ومحمود دياب وميخائيل رومان، وانشغل كل منا بعد ذلك ولم يكتمل المشروع.

وختم ياسين: أستاذي ومعلمي المبدع الجميل الدكتور جلال الشرقاوي.. أشكرك على وقوفك بجواري أثناء عملي معك في "دستور يا اسيادنا"، وعلى عظيم ما قدمته للفن المصري بشكل عام كمنتج ومخرج ومعلم فاضل لأجيال كثيرة تتلمذت على يديك وتعلمت الكثير منك منذ عملك كمدرس للتمثيل والإخراج في المعهد العالي للفنون المسرحية بداية من عام 1962... رحمك الله رحمة واسعة وأسكنك فسيح جناته.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق