خالد بُريه: بوابة كبرى وذكرى لا تغيب - باث أرابيا patharabia

Last posts أحدث المواد


9/30/2022

خالد بُريه: بوابة كبرى وذكرى لا تغيب

مشاهدة
خالد بريه

خالد بُريه *

(مواصفات نموذج القدوة الذي يعزز فكر النجاح لدى الشباب)

الرغبة في تدوينِ ما مضىٰ؛ نظمٌ لحياتين، وتاريخيْن، ومزجهما معاً ليكونا قطعة واحدة، ذكرىٰ خالدة تتدلىٰ بينَ حينٍ وآخر، تعيشُ فينا متقدة؛ كجزء أصيل، تظهر متىٰ شاءت، وتختفي متىٰ أرادت.

لم يكن الموت مخيفاً بالنسبةِ إليه، لقد رأىٰ الموتَ مراراً، رآه يوم اخترمت المنية من يُحب، مذْ كانَ في ريْقِ الحياة.. ورآه لحظة لوَّح بيديه باكياً لإحدىٰ قدميه، حين تخطَّفها الموت نهاراً؛ منذ تلك الحادثة وهو لا يعبأُ بالموت، يجابهه دوماً بابتسامةٍ ساخرة، ويقفُ في وجهه بإيمانٍ وثيق، ونفسٍ حرة، وشموخ لا يعرفُ الانكسار.

في آخر لقاءٍ بيننا، لم أقوَ على النَّظر إلىٰ قدميه، كانَ يعيشُ بقدمٍ واحدة، وأخرىٰ صناعية، بالرغم من الأهوالِ التي عاشها، لا يقابلكَ إلا بضحكته الأثيرة في نفوسنا، لم تكن مجرد ابتسامة، كان يثري الحياةَ بصوته النبيل.

عندما طويتُ صفحة المرحلةِ الابتدائية، وجدتني فجأةً في مدرسةٍ داخليةٍ أشبه بدارِ أيتام، ولم تكن إلا كذلك. ذهبتُ إليها في مناسبةٍ كروية، من أجلِ اللعب، ومن بينِ مئاتِ الطلاب، وحده من رأيتني أتحدثُ إليه، أحسستُ يومها أنَّ القدرَ جمعَ بيننا منذُ زمنٍ منصرم، كانَ لقاءً يحملُ في أغواره ذكرى السنين.

لم تنقطع صلتي به منذ تلكَ الزيارة، نلعبُ معاً، أذهبُ إلىٰ مسجدٍ قريبٍ من الدَّارِ المغلقة التي يقطنُ فيها، يمنحني من عطاءِِ العلم وفيوضه، نثرثر قليلاً، ثمَّ نفترقُ على أملِ اللقاء.

عاشَ يتيماً، لكنه أحالَ اليُتْمَ بصلابته إلىٰ طاقةٍ هادرة، تهبُ الحياة لمن تعرَّضَ لها، في مفتتحِ الشَّباب، ما رأيته إلا بينَ الكتب، يقفُ ساعاتٍ بقدمٍ واحدة، يفتشُ عن كتاب، يتنفسُ رائحتها، كانت رؤيتي له على حاله تلك؛ درسٌ لا تمحوه الأيام من جدرانِ ذاكرتي، لم يكن مجرد (قدوة) عابرة، كانَ وسامـاً خالداً، أضاءَ في وجداني، حتى اللحظة.

كان بوابة كبرىٰ يدلفُ إليها طلاب المعرفة، كم من قارئٍ، وطالب معرفة إلا ولصديقي "محمَّد" دينٌ في رقبته وعلىٰ أسلةِ قلمه، تركَ الدنيا بعد عناءٍ مع المرض؛ لكنَّ روحه وآثاره مازالت تسكننا، نلمسها علىٰ أرففِ الكتب؛ وفي صفحاتها الأولى الممهورة بأنفاسه.

* مهتم بالكتابة، يمني مقيم في تركيا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق