د. عبدالله الغذامي: حين تكون المشقة متعة - باث أرابيا patharabia

Last posts أحدث المواد

9/11/2022

د. عبدالله الغذامي: حين تكون المشقة متعة

 

عبدالله الغذامي


د. عبدالله الغذاني *

في أمثلة طلب المشقة ليس أوضح من هواية تسلق الجبال، حيث يتعمد المتسلق البحث عن الشاق، ويدفع نفسه للتعب في رياضة ليس فيها نفع ولا جماهير تصفق مثل كرة القدم أو الملاكمة، ومع هذا يوقع جسده في أعتى التحديات ولكن روحه متوثبةٌ ونفسه طربة، وهذا ما يلهيه عن شروط جسده الذي تعود ثقافياً على طلب الراحة والدعة في حين تنطلق الروح في أحلامها وسياحتها الذهنية، ولكن مع التسلق تتحرك الروح ضد مراد الجسد، ويتحول الجسد لخادم مطيع للروح، ومهما تعب الجسد، فإن الروح تدفعه للمضي، وكل هدفه أن يبلغ القمة ليعود للسفح، ثم يخطط لتكرار الحدث الذي ستتصاعد تعقيداته كلما اقترب من القمة التي هي أكثر تعقيداً مما تم إنجازه.

وهنا ترى المتعة بأقصى معانيها، وهي التي ألمح لها المتنبي بقوله «لولا المشقة ساد الناس كلهم»، ويكفي هذا الشطر عن بقية البيت لما فيه من معنى مطلق يسمح للخيال بالانطلاق لفضاءات المشقة مثل حركة من يتسلق الجبال فقط ليهبط المتسلق ثانية إلى أرضه وهو يحمل النية لغزو جبل آخر غير جبله الذي سيطر عليه وبلغ قمته ويظل متلهفاً بين قمة وقمة، وما بين القمم تشرئب روحه وتطرب لمتعتها المخالفة لقوانين الجسد فتنتصر الروح على مائدة الجسد وحدوده الرغبوية الترفيهية.

وتصدق هذه الصفات على كل عمل ينبع من رغبة ذاتية، فالفكر تعب يتحمله المفكر ويلزم به نفسه ضد مراد جسده وضد شروط العلاقات العامة، حيث يخلص المرء هنا لمهنته المختارة ويعف عن متع الحياة، في سبيل متابعة مشقات رضيها لنفسه، ومثل ذلك في العلوم والاختراعات وفي القيادة التي تحفز صاحبها لإيثار التعب على الراحة، ولهذا يفوز باللذة الجسور، ولذة الجسارة هي من متعة المشقة، وكلما رغبت النفس بالمشقة وآثرتها على الراحة، فإن هذه هي مفتاح السيادة المعنوية التي من شرطها التضحيات الكبرى وكلما كبرت التضحية كبرت معها المغامرة الذهنية والروحية، وسيكبر المنجز بمقدار همم الرغبات الكبرى للنفس البشرية.

* كاتب وناقد سعودي

- عن صحيفة الاتحاد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق