الناقد سعيد ياسين يستحضر مسيرة محارب التطرف محمد كامل القليوبي - باث أرابيا patharabia

Last posts أحدث المواد

9/14/2022

الناقد سعيد ياسين يستحضر مسيرة محارب التطرف محمد كامل القليوبي

د. محمد كامل القليوبي

القاهرة: باث أرابيا

استحضر الناقد الفني والكاتب سعيد ياسين مسيرة محارب التطرف والإرهاب عبر الأعمال السينمائية المخرج الراحل الدكتور محمد كامل القليوبي.

وكتب ياسين ضمن سلسلة شخصيات من ذهب على حسابه على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك: "أعمارنا قصيرة، والبصمة الجميلة تبقى وإن غاب أصحابها".. جملة رائعة كتبتها على صفحتها أخيراً أستاذة السينما الاستثنائية الدكتورة منى الصبان، والتي تمثل مدرسة سينمائية عربية كبيرة، واستوقفتني طويلاً قبل أن أكتب عن شخصية ذهبية على جميع المستويات العلمية والأكاديمية والمهنية والثقافية والإنسانية والحياتية.

تعرفت إلى الدكتور محمد كامل القليوبي لأول مرة في منتصف العام 1998 حين كان يترأس قسم السيناريو في المعهد العالي للسينما، وأجريت معه حواراً مطولاً لملحق "سينما" الذي كان يصدر كل يوم جمعة في صحيفة "الحياة اللندنية" ونشر في 18 ديسمبر 1998، وكان الملحق نافذة مهمة للغاية لإطلالة أهل السينما من مختلف التخصصات، وتحدثنا في الحوار عن قضايا فنية كثيرة، منها فيلمه الذي كان يعرض وقتها "أحلام مسروقة"، وسر مناهضته التطرف والإرهاب في أفلامه كما حدث في "أحلام مسروقة" و"تلاتة على الطريق"، علماً بأنه كان يلح عليه سؤال دائم، هو: كيف يصير الإرهابي إرهابياً؟ وكان له رأي مهم في هذه الجزئية يتلخص في أنه عندما نتمكن من القضاء على المناخ والبيئة التي يخرج منها الإرهابي سنتمكن من القضاء على الظاهرة، لأن الحل ليس أمنياً فقط، بل اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً، أي يتعلق ببنية مجتمع كامل.

وتوطدت صلتي به بشكل متسارع، وكنت أذهب إليه في أي وقت في معهد السينما أو في المركز القومي للسينما حين ترأسه لفترة، وكان يطلعني أولاً بأول على مشاريعه الفنية التي ينوي تنفيذها، وعلى الرغم من أن الجميع حسبه على السينما فقط، إلا أنه كانت لديه أحلام كثيرة في الفيديو والإخراج المسرحي، وكان يعد نفسه مثل أي مخرج في العالم يعمل للسينما والمسرح والتلفزيون، لكن يبدو أن الأمور في مصر دائماً "متقفلة" ـ كانت كلمة خاصة به ـ بسبب الميل الى التنميط والتخصيص.

جمعتني بالدكتور القليوبي العديد من المواقف، سأتحدث عن واحد منها في غاية الإنسانية، حين كنت أشارك معه بالتمثيل في فيلم "خريف آدم" من بطولة هشام عبدالحميد وهو كان يؤمن بموهبة هشام إيماناً مطلقاً، وأكد لي أنه يستطيع التفاهم معه على المستوى النفسي والشخصي بشكل سريع جداً، ويكفي أنه بمجرد تبادل النظرات أثناء التصوير يفهم ماذا نريد، وهو ما كان يحدث بينه وبين محمود عبدالعزيز عليه رحمة الله.
من فيلم خريف آدم


رشحني للقيام بدور "طبيب القرية" التي تدور فيها أحداث الفيلم، والذي يذهب إليه بطل الفيلم ويصطحبه من مقر إقامته في الوحدة الصحية في ليلة ماطرة ليداوي صبياً صغيراً يتولاه بالرعاية والاهتمام حتى يكبر، ليقتله في ليلة زفافه أخذاً بثأر ابنه الذي قتله والد الصبي في ليلة زفافه، وتم إبلاغي بتصوير مشهد واحد ليلي في مدينة الإنتاج الإعلامي من بين مشاهدي الثلاثة في الفيلم، وإحضار جاكيت بدلة وبنطلون فقط، وارتديتُ الطقم الذي سأصور به المشهد وذهبت إلى المدينة، وكان المشهد عبارة عن اصطحاب بطل الأحداث "آدم" للطبيب خلفه على الحصان ويسير به لمسافة ثم يتوقف به أمام منزل الصبي، ويهبط الطبيب ويطرق الباب ويدخل، وفوجئت أثناء التصوير وكنا في قلب الشتاء بأن المشهد سيكون فيه مطر اصطناعي من خلال خرطوم مياه يتساقط على الحصان ومن يركبه لإضفاء المصداقية، وأعيد المشهد مرة أو اثنتين حتى تم التصوير بالشكل المطلوب.

كانت الكارثة في غرق ملابسي غرقاً تاماً كما لو كانت السماء تمطر دون توقف ذلك اليوم، وعلم الدكتور القليوبي أن مساعديه أو أياً من فريق العمل لم يبلغني بأن المشهد سيحتوى على مطر حتى أعمل حسابي في الملابس، وبدأت أشعر بالبرد الشديد والعطس المتواصل لإصابتي بحساسية مزمنة في الجيوب الأنفية، واستشاط غضباً وكال لجميع من في الفيلم اتهامات كثيرة لا أذكر منها إلا الإهمال والتقصير، ودخل بنفسه إلى غرفة الملابس، ولم يهدأ إلا عندما حصلت على ملابس بديلة جافة حتى أعود للمنزل، وأثناء الطريق وبعد وصولي كان يتواصل معي هاتفياً ليطمئن عليّ، وفي اليوم التالي وقبل الظهر وجدته يتصل بي، ولم يكتف بالاطمئنان علىيّ هاتفياً، ولكنه مرّ على في موقع الصحيفة في جاردن سيتي ليتأكد بنفسه أنني بخير، وكان هذا الموقف من بين أحاديثنا وذكرياتنا الطيبة طوال تصوير الفيلم.
من مسلسل بعد الطوفان

ودارت الأيام وبعد عام فوجئت به يرشحني لواحد من أفضل أدواري وهو دور "زناتي" الشاب الصعيدي الذي تخرج من الجامعة، ويرفض فكرة الثأر ويقف في وجه أمه التي تبتزه طوال الأحداث لضرورة الأخذ بثأر والده، في مسلسل "بعد الطوفان" من بطولة هشام عبدالحميد وبثينة رشوان وصفية العمري وحمدي أحمد وأحمد خليل وسوسن بدر وآخرين عن قصة لعصام الجمبلاطي وسيناريو وحوار محمد الغيطي، واقتربنا من بعضنا البعض أكثر وأكثر، وهو كانت لديه أحلام فنية كثيرة، وكان يراهن عليّ، وذات مرة كشف لي أن ما يفعله معي فعله معه الكثير، وفي مقدمتهم الفنان محمود عبدالعزيز الذي راهن عليه في فيلمهما "ثلاثة على الطريق"، وكان الرهان موفقاً جداً، حيث تمكنا من تحقيق نجاح كبير على المستويين الداخلي والخارجي، وشجعهما النجاح على تنفيذ فيلمهما التالي "البحر بيضحك ليه".

د. محمد كامل القليوبي.. كنت وستظل عظيماً على جميع المستويات.. أشكرك على ما قدمته للحركة الفنية والثقافية والفكرية في مصر، وعلى عشقك للسينما ورؤيتك التي تتحقق يوماً بعد يوم بأن أزمة السينما لها أبعاد كثيرة جداً ويقع الجزء الأساس على الدولة، لأنها لا تتدخل لإنقاذ صناعة كبيرة تحتاج إلى مبالغ ليست ضخمة لإنقاذها مقارنة بما ينفق على مصدري الملابس أو البطاطس أو الحفلات الكبرى.

وأشكرك على جميل ما قدمته معي، وعلى أياديك البيضاء وأفضالك على كل من تتلمذوا على يديك في معهد السينما، وفي أعمالك الفنية، وفي الحياة.

بارك الله في ابنك الجميل المهذب رامي، ورحمك الله رحمة واسعة وأسكنك فسيح جناته.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق