فابيولا بدوي: إليزابيث وحدها من حررت ابتسامتي - باث أرابيا patharabia

Last posts أحدث المواد

10/22/2022

فابيولا بدوي: إليزابيث وحدها من حررت ابتسامتي

فابيولا بدوي

فابيولا بدوي*

لا جدال في أننا كشعوب في سوادها الأعظم بعيدة عن الفن التشكيلي وفن الباليه والموسيقى الكلاسيكية، لذا فإن أول ما يتبادر إلى الأذهان حينما نتحدث عن الفن التشكيلي أننا نتحدث بشكل نخبوي لا يشير من قريب أو بعيد إلى حياتنا ومشكلاتنا. على الرغم من أنني أرى أن مثل هذه الأحكام ليست قاطعة مئة في المئة، إلا أنني أتفق معها إلى حد كبير. لكن عالمنا اليوم ليس هو عالم الأمس، وشبابنا المنفتح على كل ما هو قديم وحديث عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، يمكنه أيضاً أن يرى في الفن ما هو أبعد بكثير. فعلى سبيل المثال، لا يشير الفن العالمي فقط إلى ما تم تهميشه من مكانة المرأة لعقود وعقود من ناحية إبداعها، ولكن المدقق في اللوحات المنتشرة اليوم عبر الإنترنت، سوف يجدها تمثل في كل اللوحات أو الأعمال النحتية مثالاً للمعاناة الشخصية التي جعلت الأنثى في هذه الأعمال كائناً لا تعرف الابتسامة طريقاً إلى وجهه.

ببساطة هذه محاولة أن نخوض معاً رحلة تأمل فنية، لنكتشف بعد قليل من التركيز أننا نقترب بوضوح من الصورة النمطية التي وُضعت فيها المرأة على مر العصور، ولأن عدداً هائلاً من شباب اليوم من الجنسين لديهم رغبة في تحقيق نوع من المساواة والعيش في مجتمعات صحية، فإن قراءة الفن انطلاقاً من رغبة في معرفة وضع الأنثى على مر العصور، ربما يكون السبيل الأيسر لمناقشة أين كانت الأنثى تقف في المجتمعات كلها من دون استثناء، سواء تلك التي اهتمت بالرسم والنحت أو الأخرى التي اهتمت بالشعر ومن بعده بفن الرواية وغيرهما.

في محاولة لتطبيق هذه النظرة التي تستند إلى محاولة الرصد لاستشراف بعض من معاناة الأنثى عبر الفن، سنجد أن الفنانة إليزابيث فيجي لوبرون هي أول من تخطت المألوف ورسمت ابتسامة حقيقية تعكس قدراً من السعادة على وجه المرأة في لوحاتها.

ببراعة وجرأة فعلت ذلك تلك الرسامة الموهوبة التي كانت تحظى بتقدير ورعاية من ماري أنطوانيت، وهو ما لم يفعله غيرها، حيث حررت فن البورتريه من وجه المرأة الحزين أو الخجول ذو الابتسامة التائهة المرتعشة التي نراها في السواد الأعظم من لوحات كبار ومشاهير الفنانين بما في ذلك ابتسامة الموناليزا الشهيرة، وبعدها حررت كل نساء لوحاتها بمن فيهن ماري أنطوانيت نفسها.

الحقيقة أن الأمر لم يكن باليسير على الإطلاق، فقد فجرت لو برون مع أول لوحة فضيحة في صالون الأكاديمية الملكية للرسم؛ أي في عام 1787، حينما عرضت لوحة تمثلها هي مع ابنتها بين ذراعيها ويرتسم على وجهها ابتسامة عريضة تكشف عن أسنانها مع شفاه وردية تعكس كبرياء وثقة بالنفس، وهو ما عده القائمون على الصالون تخريباً للفن، فرسم الابتسامة السعيدة هو جرأة ودليل على تراخي الأخلاق بل والانتماء إلى الطبقات الدنيا التي لا تمثل ما يجب أن تكون عليه المرأة النموذج.

هكذا كانت المرأة في نظر الفنانين من الذكور الذين هيمنوا على الفن ومن ثَمَّ الثقافة الذكورية التي كانت سائدة لعقود طويلة، فالمرأة لا يجب أن تكون ابتسامتها مضيئة، أو مغرورة، أو ذات كبرياء، بل يجب أن تجسد صورتها بشفاه متقاربة دائماً، ووجوه بلا تعبير، فما بداخلها لا يعني الآخرين، فالأهم هو تصدير المعايير التي يجب أن تكون عليها كي يرتضي بها الآخر ومجتمعها، لكنها كسرت النمط وقررت القفز عليه لتمنح الأنثى الحق في التعبير عن نفسها عبر صورتها.

لهذا فإن المؤرخين؛ خصوصاً النساء منهم، يعتبرون فيجي لوبرون (أشهر رسامة بورتريه في فرنسا) وحدها هي من حملت الجميع من بعدها وحتى يومنا هذا على رسم أو تصوير الابتسامة الجميلة المبهجة العفوية، وهو ما يجعلها (وهذا رأي شخصي) أحد أهم الفنانين الذين حرروا الأنثى ومكنوها من أن تظهر كما هي، سواءً أكانت سعيدة أم تعيسة عاقلة هادئة أو عصبية، تكاد تقترب من الجنون، فلها وحدها فقط حق تقرير الصورة التي ستظهر عليها من دون قيود.

ولهذه الفنانة السبق أيضاً في رسم النساء بملابس غير متماسكة وبأقمشة عادية، في جلسات تصوير بعضهن كنّ يضعن أيديهن على وجوههن، وكأنهن يعلنّ عن حقهنّ في ألا يرسمن في جلسة للرسم، أو كأنهن يرفضن أن تنعكس صورتهن بالشكل الذي لن يقبلن بسواه، وأتصور أن بعض فتيات اليوم عبر السوشيال ميديا، بارعات أيضاً بالصورة والصوت والكلمة في التعبير عما تريد كل منهن أن تكون عليه.

الحقيقة أنه يسترعي انتباهي أنه حتى غالبية الحركات المدافعة عن المرأة وقضاياها تتوقف كثيراً، بل وفقط عند الفترات التي كانت ترسم فيها المرأة عارية، أو مستكينة وما شابه وتستنكره. لكنها في رأيي نظرة مباشرة لا تبتعد كثيراً عن التكرار النمطي لنفس العبارات المملة، لكن أحد منها لم يهتم أو توقف أمام ملامح المرأة في لوحات عظماء الفنانين سواءً أكانت كاسية أو عارية، عاهرة أو قديسة، ملكة أو خادمة ليكتشفن أن جميعهن كن بلا ضحكة أو ابتسامة، وهذا ما يجعلني أتوقف كثيراً أمام هذه الملامح التي بلا تعبير مثلي في هذا مثل الكثير من الباحثات عن شخصية المرأة التي تم تقييدها في جدران من الزنازين البعض منها كئيب والآخر مبهر وفاحش الثراء، لكنها في كل الحالات لا تتجاوز كونها زنازين، حرم فيها على المرأة الظهور بأي مظهر من مظاهر السعادة أو التعاسة، الغضب أو الفرح. فأنا بشكل شخصي لا أهتم، هل تمثال الشمع يرتدي ثياباً أم بدون، بل أهتم كثيراً بهل نحن جميعاً لا زلنا تماثيلا من الشمع بصيغة أو بأخرى أم لا؟

بالنسبة لي لو تمكنت في يوم ما من مسايرة شططي، فسأطلق حملة تحت عنوان (يمكنني أن اكشف عن أسناني)، وسوف أتتبع من خلالها كيف يمكن للفنون بكل أشكالها أن تطلقنا إلى حيث يجب أن نكون، فالكائن الذي يستطيع أن يكشف عن أسنانه عندما يبتسم أو يضحك، هو كائن حر يعرف ويعي كيف يعبر عن نفسه من دون افتعال أو حصار. وسأتذكر دائماً أن إليزابيث فيجي لوبرون هي مبتكرة الابتسامة العصرية، ولها دائماً يعود الفضل في شططي وفي جعلي ابتسم بقوة في وجه العالم وفي فكرة حملتي حينما تبدأ.


* كاتبة وصحفية مصرية مقيمة في باريس



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق