زكرياء عريف: الشباب العربي وصنع القرار الاستراتيجي: رؤية مستقبلية - باث أرابيا patharabia

Last posts أحدث المواد

11/02/2022

زكرياء عريف: الشباب العربي وصنع القرار الاستراتيجي: رؤية مستقبلية

زكرياء عريف

زكرياء عريف *

(مسابقة دور الشباب وإمكانية مشاركتهم في وضع الاستراتيجيات المستقبلية للدول)

يمثل الشباب النواة الصلبة لأي مجتمع؛ وذلك بالنظر إلى ما يمتلكه جيل الشباب من مؤهلات وطموحات كبيرة، تتجاوز أحياناً أفق الحاضر نحو استشراف المستقبل، ولكن هذا التطلع نحو التغيير ينحسر إذا تم التضييق عليهم من خلال الحد من أحلامهم المشروعة عبر رزنامة مختلفة من الإجراءات والسياسات التي تُكسر إرادتهم وتحطم طموحهم، سواء كان الأمر بشكل ممنهج عبر سياسات إقصائية، أو بشكل غير مقصود، تعكسه اللامبالاة بمشاكلهم وآمالهم، وهذا هو الأغلب في معظم مجتمعاتنا العربية.

ولكي، يكون للشباب العربي دور حقيقي في تغيير واقع مجتمعاتهم ودولهم نحو الأفضل؛ بما يحقق أهداف التنمية المستدامة، ويضمن مشاركتهم الحقيقية والفاعلة في التغيير الاستراتيجي، من خلال المساهمة الفاعلة في وضع الاستراتيجيات المستقبلية، سنقوم بتشخيص واقعي لأدوارهم الحالية، ثم استشراف أدوارهم المستقبلية، عبر وضع اليد على ما يمكنهم فعله حقيقة، بعيداً عن الأهداف المثالية، بحثاً عن أهداف وحلول إجرائية يمكنهم الاضطلاع بها.

ابتداء، لا بد من تحديد مفهوم مركزي، يتناوله هذا المقال، وهو مفهوم الاستراتيجية لكي يتضح ما نصبو إليه، أولاً يمكن القول إن هذا المفهوم يمتح من حقل العلوم العسكرية، قبل أن ينتقل لحقول أخرى كالسياسة والشؤون الإدارية والاقتصادية وغيرها، بحيث أصبح لكل مجال خططه الاستراتيجية المحددة، وتسعى جميع الدول والمؤسسات إلى وضع استراتيجيات بآماد زمنية مختلفة (قريبة ومتوسطة وبعيدة المدى) لتحقيق أهدافها وغاياتها التنموية، في هذا الإطار تشير الموسوعة السياسية إلى أن الاستراتيجية (Strategy) تعني: "علم وفن وضع الخطط العامة المدروسة بعناية والمصممة بشكل متلاحق ومتفاعل ومنسق لاستخدام الموارد (مختلف أشكال الثروة والقوة) لتحقيق الأهداف الكبرى" (الموسوعة السياسية، ص169)، وعليه فعندما نقول القرار الاستراتيجي فهذا لا يحيل بالضرورة إلى الدراسات العسكرية أو السياسية فقط، بل الأمر يشمل مختلف القضايا الصحية والبيئية والطاقية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية..إلخ، ولكن من زاوية نظر استراتيجية، أو ما يصطلح عليه في الأدبيات الحديثة بـ"التخطيط الاستراتيجي" أو "التفكير الاستراتيجي". هذا النظر يبتعد عن ما هو ظرفي وآني محكوم بإكراهات اللحظة الراهنة وضغوطها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، إلى التفكير في ما ينبغي أن يكون، ليس بالمعنى الفلسفي المجرد، ولكن بالمعنى الإجرائي، من خلال مؤشرات وتوقعات مضبوطة علمياً، وبهامش خطأ منخفض، وذلك من خلال رسم السياسات وتوقع السيناريوهات الممكنة في مختلف المجالات، ثم وضع البرامج والتدابير لتنزيل هذه الرؤى الاستراتيجية على أرض الواقع.

إذا اتضح هذا المفهوم بشكل جلي، فإننا سنتساءل حول أي دور يمكن أن يقوم به الشباب العربي في صنع القرار الاستراتيجي في نطاق بلدانهم أو في إطار التعاون العربي المشترك، في مختلف المجالات في أفق المستقبل؟ لكننا قبل الإجابة عن هذا السؤال المركزي، سنقوم بتشخيص واقع مشاركة الشباب في صناعة القرار الاستراتيجي في الوقت الراهن، من خلال استحضار بعض التجارب الرائدة عربياً.

نلاحظ، في الوقت الراهن أن واقع مشاركة الشباب العربي في دوائر صنع القرار السياسي والاستراتيجي في معظم البلدان العربية يتميز بالهشاشة والضعف، أو في أغلب الأحوال فإن إشراك الشباب في هذه المؤسسات، يتم بطريقة استعراضية، عبر تأثيث المشهد ديكورياً لا أقل ولا أكثر، لكن هذا الحكم ليس عاماً، فهنالك استثناءات تؤكد هذه القاعدة ولا تنفيها، يمكن أن نشير في هذا الصدد إلى تجربتين: إحداهما مشرقية والأخرى مغربية، أما الأولى فتتعلق بتجربة مركز الشباب العربي في دولة الإمارت العربية المتحدة، وهو مركز تأسس سنة 2017 برعاية سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، وجاء ضمن مخرجات منتدى الشباب العربي، وقد قام هذا المركز بالعديد من المبادرات النوعية، من خلال احتضان الشباب المبدع والاستثمار في طاقاتهم لإعداد قيادات عربية واعدة، ومن بين المشاريع التي عمل على إنجازها المركز استطلاع رأي سنوي حول أولويات الشباب العربي، وإنجاز منصة لأبحاث الشباب العربي، تنشر فيها آلاف أبحاث الشباب في مختلف الحقول المعرفية، وتمكن صانع القرار من الاطلاع عليها عن كثب، وإن كان استثمارها يبقى بعيد المنال، بالنظر إلى الفجوة القائمة في سياقنا العربي بين صانع القرار والباحثين ومراكز البحث والتفكير، بخلاف الحضور القوي لهذه المراكز في الغرب، وهو الأمر الذي يبرزه سنوياً تقرير جامعة بنسلفانيا المختص بدراسة واقع مراكز الفكر والرأي عبر العالم.

أما التجربة الثانية، فهي تجربة حكومة الشباب الموازية في المغرب، وهي عبارة عن جمعية مدنية بمثابة حكومة موازية، تضم وزراء ومستشارين شباب، يشتغلون على العديد من القضايا ذات البعد الاستراتيجي، من خلال ما يقترحه مثلاً مختبر حكومة الشباب الموازية للتداريب والأبحاث والاستشارات من دراسات وأوراق سياسات وندوات علمية، إضافة إلى تدريب الشباب على العديد من القضايا ذات الصلة بصياغة المشاريع والسياسات، وتعريف الشباب بأدوار البرلمان من خلال فكرة "البرلمان المتنقل"، كما تقوم هذه الجمعية المدنية بتتبع وتقييم السياسات العمومية والاختيارات التنموية الكبرى للمغرب.

إذن، هنالك جهود تتم إما بشكل رسمي، يعكس إيمان الحكومات بشبابها، أو بشكل تطوعي بمبادرة الشباب أنفسهم ذاتياً، رغم قلة الدعم وندرة الموارد، لكنها تبقى مجهودات محدودة مكانياً وزمانياً، بحيث لا يتم الاستفادة بشكل مناسب من عقول الشباب ومؤهلاتهم في تطوير بلدانهم، رغم الميزانيات الضخمة التي تصرفها الحكومات العربية على تدريسهم (منح، إقامات جامعية، بعثات إلى الخارج..)؛ وبدل أن تتحول أنظار الشباب إلى تغيير المستقبل والمشاركة في المجالات السياسية والتطوعية ومراكز البحث، فإن أغلبهم يفكر في توفير سبل المعيشة وضمان مستقبله الشخصي، وهذا ما أكده استطلاع أولويات الشباب العربي لسنة 2020، بحيث احتل عنصر الأمن والسلامة (73 في المائة)، ومنظومة التعليم (70 في المائة)، والرعاية الصحية (62 في المائة).

ولكي يتم استثمار إمكانات الشباب العربي بشكل فعلي، خصوصاً أنهم يشكلون الفئة الأكثر نشاطاً وتعلماً، وضمان مشاركتهم في صنع القرار بشكل واقعي، بعيداً عن مساحيق التجميل، والخطابات الشعبوية، والإجراءات الموسمية؛ نقترح هذا التصور المستقبلي:

الانفتاح على الطاقات الشابة وإشراكها في الهيئات الاستشارية الحكومية والبرلمانية.

تشجيع الشباب على المشاركة السياسية خصوصاً داخل الأحزاب السياسية والبرلمانات والحكومة، وإتاحة الفرصة أمامهم للتفكير في مستقبل بلدانهم من منظور استراتيجي، وليس من خلال تدابير حكومية غير مدروسة علمية في غالبها، ويمكن أن يتم ذلك من خلال تشجيع الشباب المثقف والأكاديمي على تأسيس مراكز البحث و التفكير الاستراتيجي.

تأسيس مجلس وطني للشباب في كل بلد من البلدان العربية؛ واختيار ممثلين عن كل مجلس لتمثيلهم في المجلس العربي للشباب؛ والاستفادة من مقترحات الشباب العربي في التخطيط الاستراتيجي ورسم المشاريع التنموية خصوصاً في مجالات التعليم والاقتصاد والبحث العلمي، وإعداد سيناريوهات وأوراق سياسات تجيب عن تحديات المجتمع العربي، وتسهم في تدبير الخلافات وحل النزاعات المستفحلة في أكثر من قطر عربي.

الاستفادة من الرسائل العلمية للشباب العربي، من خلال إحداث منصة علمية عربية موحدة لتقاسم إنتاجهم العلمي، وتجسير العلاقة بين نتاجهم وبين صانع القرار، ويمكن في هذا الإطار إنشاء منتديات الشباب العربي على المستوى الحكومي، من أجل تأثير الاستفادة من الشباب العربي فعلياً.

* مدون وباحث دكتوراه، المغرب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق