فابيولا بدوي: أعترف أني غير مرئية.. لكنني ما زلت أتحدث - باث أرابيا patharabia

Last posts أحدث المواد

11/06/2022

فابيولا بدوي: أعترف أني غير مرئية.. لكنني ما زلت أتحدث


فابيولا بدوي

يشعر الكثير أننا نمارس نوعاً من الرفاهية حينما نتحدث عن المرأة وحقوقها ودورها، أو أننا نتحدث عن مطالب بعيدة عن السياق العام للمجتمعات، ما عدا القلة التي تعرف وتعي أن هذه المطالب هي مطالب حقوقية أولاً وأخيراً، وسنجد الآخرين يتبنون التفسير الأول.

لن أناقش هذا ولن أحاول تفنيده؛ لأن حديثي لا ينصب على ما نريده، بل على ما هو موجود بالفعل، وعلى نجاحات حقيقية يتم تجاهلها إما عن عمد أو بغير عمد، فأحياناً نحن لا نرى ما لا يحتل جزءاً مهماً في أذهاننا. كما أنه ليس من عادتي أن أعود إلى آلاف السنين كي أحقق أو أذكر بما كانت عليه المرأة في العصور القديمة السابقة، لكنني أنطلق وسأظل مما حدث ويحدث من حولنا في الماضي القريب وحتى الآن.

فالنساء لم يحظين حتى اللحظة بالحد الأدنى من تسليط الضوء على تميزهن، ولم يتلقين أي حماية لمنتجهن أو لمسيرتهن. فالمدقق سيلاحظ أن مسألة حصار المرأة لا تقتصر فقط على منعها أو على فشلها أو على محاولات حصرها داخل إطار ضيق حتى تختنق من تلقاء نفسها، بل سيجد نفسه أمام منهج لنفيها من المجالات كافة. كيف حدث ويحدث؟ أتصور أن هذا هو ما سأحاول توضيحه هنا.

بداية، هل كان يجب في العام 1984 أن تقتحم نساء عاريات أحد المتاحف حتى يلتفت الجميع إلى أن الفن لم يحمِ المرأة وأن أعمالها وإبداعاتها هي فريسة للتجاهل؟ وأنها معجونة بالتهميش في اللوحات التي صورتها؟ ربما كان الجميع في حاجة إلى صدمة ما، ولكن هل تغير الواقع بعد كل هذه السنوات؟ متفاءل جداً من سيقول نعم، فما زلنا حتى اللحظة أمام تاريخ للفن يكتبه رجال، والأكاديميات يعتلي قمتها رجال، والسواد الأعظم من المتاحف الكبرى على قمتها رجال، بل إن سوق الفن نفسه يقوده رجال.

هل نعدد الأسماء من النساء اللاتي انتظرن أربعة قرون كي تطفو أعمالهن على السطح؟ ربما لا داعي لهذا السرد، فيكفينا هنا أن لويز بورجوا قد أنتظرت عقوداً طويلة حتى يقام لها معرض كبير في باريس، وبالكيفية نفسها سنجد فن السينما الذي هو بالفعل مجمع ذكوري بامتياز، فمن منا يعرف أعمال أليس غاي (لا أقصد هنا العاملين بالسينما والمطلعين عليها) ومن يعرف أن ميوزيدوارا هي ملهمة السرياليين كانت منتجة في العام 1917، أو الصحافية جيرمين دولاك التي أسست شركة (دي اتش فيلم) في العام 1916، أو توقف أمام جاكلين أودري التي أنتجت من العام 1945 وحتى العام 1968 ما يقرب من 16 فيلماً طويلاً، ما يجعلها حينها الأكثر إنتاجاً في العالم، هناك المزيد من الأسماء التي تؤكد أن النساء ما زلن غير مرئيات وبقسوة.

وإلى الآن إذا ما انتقلنا إلى مهرجان كان السينمائي، فسنجد دراسة نشرت في العام 2018 كشفت أنه من العام 1946 وحتى العام 2017، لم تتجاوز حصة المديرات في الاختيار الرسمي 7%، والجوائز الكبرى للنساء 20%.

في السياق نفسه، فنظرة عميقة إلى الموسيقى سترشدنا إلى أن تاريخ الموسيقيين الكلاسيكيين يكتنفه لغز مؤلم، فقد دلتنا عازفة التشيلو هيلواز ليزاتي، التي تدربت بمعهد باريس، ثم أسست جمعية (هي) أن المنظور نفسه الذي نجده في النحت والرسم والسينما هو نفسه في عالم الموسيقى، حيث 1% فقط من الأعمال التي تعرض على المسارح هي مقطوعات لمؤلفات كلاسيكية، فأين الباقيات؟

ليس عسيراً على الفهم أن مكانة المرأة في الموسيقى قد خضعت للبناء نفسه والمنهج نفسه، كما تذكر المؤرخة ميلاني ترافيرسييه، أن قطاع الموسيقى تفنن في إنكار وصول المرأة إلى أي شكل من أشكال العبقرية الموسيقية أو الإبداع، فقط كانت آلات النفخ على سبيل المثال ممنوعة عليها لفترة طويلة من الزمان، أما الملحنات المعدودات المعروفات فإن معرفتهن ترجع في الغالب إلى زواجهن من ملحنين كبار عظماء.

بالمثل نتساءل ما المكان في المكتبات الغربية وفي مكتباتنا كترجمات لأعمال كاثرين برنارد أو ماري آن باربييه أو هيلين بيسيت، جميعهن منسيات من كتب تاريخ الفن، فكيف سيعرفهن عامة الناس؟

لن ننكر هنا أنه بفضل عمل وتحركات الجمعيات المعنية والمهتمة المختلفة، تمكنا بشكل أفضل من قياس مدى الإخفاء الذي تعانيه النساء، فعلى سبيل المثال بالرجوع إلى "قاعدة بيانات جوكوند"، التي تسرد أعمال المتاحف الفرنسية، وتجعل من الممكن العد في مجموعات متحف اللوفر (نذكر أنها تغطي فترة شاسعة من العصور القديمة إلى منتصف القرن التاسع عشر) لنجد فقط 42 لوحة نفذتها 28 امرأة، من إجمالي 5387 عملاً، أي 0.78% من إجمالي مجموع الأعمال للفترة نفسها.

بديهي هنا أن النساء قد أُقصين من الهندسة المعمارية، ففي بداية القرن العشرين فتحت هذه المهنة ومدارسها أمام النساء، وسنجد أن الأدب ليس استثناء، فالمؤلفات اللاتي تمكن من رؤية أعمالهن خلال حياتهن كُنّ يُنتقدن! ويُقلَّل من قيمتهن! كما نُقلت تلك الأعمال إلى مرتبة "أدب من الدرجة الثانية".

قد يتهمنا بعضهم بالميل إلى تبني نظرية المؤامرة أو نتلذذ بتوجيه الاتهامات، والرد ببساطة أن عملية جعل إنجازات المرأة غير مرئية مستمرة حتى القرن الحالي، بدليل أن الشوارع التي تحمل أسماء نساء بالكاد تمثل 5% من إجمالي الشوارع التي سميت على اسم شخصيات تاريخية أو تنتمي إلى المجال الإبداعي (لا معنى هنا للتنويه إلى أن هذه النسب لا علاقة لها بمجتمعاتنا فالنسبة بها لن تتجاوز الصفر في المئة) ولو حاولنا في إطار الرد على الاتهامات نفسها ومد الخط على استقامته لينقلنا إلى المناهج الدراسية يمكننا الاستشهاد بدراسة عام 2013 لمركز "هيبرتين أوكلير" التي توضح أن ما يظهر في الكتب المدرسية كلها بالغرب لا يمثل سوى 3.7% من الكاتبات، و6.7 من الفنانات، أما بالنسبة للإناث من الفلاسفة فيُذكرن خمس مرات مقابل 695 مرة للفلاسفة الرجال، وفي مجال الشخصيات التاريخية والمتخصصة تبلغ نسبة ذكر النساء 15.5 فقط، ، فكيف يمكننا أن نأمل في تغيير أفكار الأجيال الجديدة ومكانة المرأة المتميزة تدور في دائرة التجاهل؟

نؤكد أن الأوضاع تتغير في السنوات العشر الأخيرة وعلى أن الطريق طويل جداً، فحتى اللحظة بالنسبة للمؤسسات الثقافية والفنية، فإن المرأة لا تزال ممثلة تمثيلاً ناقصاً. بالنسبة لجميع الفنون وتعاني المبدعات من التمييز نفسه: فهن الأقل عرضاً لأعمالهن، وأقل برمجة في المهرجانات وأجرهن أقل، وأقل مساعدة من المنح الدراسية والإعانات، وأقل تكريماً بالجوائز من الرجال!

في النهاية قد أكون غير مرئية تماماً ولكن هل تقرؤون وتسمعون؟


هناك تعليقان (2):

  1. غير معرف11/06/2022

    مش غريب على اعلاميه متألقه مثل فابيولا بدوي إلى الامام يا عزيزتي

    ردحذف
  2. غير معرف11/06/2022

    مقال جميل جداً ورائع استمري

    ردحذف