مصطفى بولهريس: هجرة الأدمغة.. غرس عربي وقطف غَــربي - باث أرابيا patharabia

Last posts أحدث المواد

11/24/2022

مصطفى بولهريس: هجرة الأدمغة.. غرس عربي وقطف غَــربي

مصطفى بولهريس 

مصطفى بولهريس *

(مسابقة تأثير هجرة العقول على الدول العربية وطرق استقطابها)

مَهما امتلكت الدول والأمم من موارد تشكل ثرواتها وناتجها الداخلي المحلي، فلن تصل أي ثروة إلى مرتبة الثروة البشرية على الإطلاق، فالرأسمال البشري كنز ثمين للغاية، وعمود حيوي لأي نهضة. لكن واقع المنطقة العربية ومناطق أخرى مشابهة يبدو غير مستفيد من كل ما ينتجه من هذا الرأسمال، ويَصدُق علينا القول أننا نغرس ليحصد الآخرون ويقطفون الثمار.

إنها هجرة الأدمغة، ذلك النزيف الحاد والصامت الذي ينخر كثيراً من دولنا، كمن يتبرع بالدم وهو أحوج الناس إليه! فالإحصائيات تشير إلى أن عدداً من الدول العربية تفقد سنوياً آلاف الكفاءات العليا من المجالات الحيوية كافة مثل الطب والهندسة والتعليم الأكاديمي والابتكار والاختراع..إلخ وهي كفاءات تكونت في مدارسنا الحكومية وربما صُرفَت على تكوينها ميزانيات من المال العامّ إلى أن نضجت وحان قطافها فقطفتها دول جائعة لكل كفاءة، فشدت الرحال إلى حيث يمكنها تحقيق ذواتها ولا يخرج مَهجَرُها عن نطاق دول الاتحاد الأوربي وأمريكا الشمالية، مع استفادة بعض الدول العربية الغنية نفسها من هذه الهجرة.

تأثيرات هذه الظاهرة على المجتمعات المصدِّرة للعقول بليغة وقاسية، فإلى جانب كونها تفرط في سر النهضة (= العنصر البشري الكفء) ومن ثمّ تؤجل أو تُبطِئُ هذه النهضة المنشودة؛ فإنها أيضاً توسع الهوة والفارق بيننا وبين بقية العالَم، لاسيما العالم الغربي المستفيد الأول من نزيف رحيل الأدمغة، فنكاد لا نبرح قَوَاقِعَنا إلا بخطوات ثقيلة.

أما الدول المستقبلة فتدرك جيداً كيف تقتنص هذه الكفاءات وتستقطبها إلى مؤسساتها ومعاهدها ومصانعها ومستشفياتها.. إلخ وذلك عبر توفير ظروف عمل جيدة ولائقة، ومكافآت تُقدر الجهد وتحترم الكفاءة، وتحفيزات تحفظ الكرامة وتضمن استمرارية الإنتاجية، وتفتح آفاق التطور الذاتي في جو من الشفافية والتنافسية الشريفة، على الأقل إلى حد بعيد عن واقع مجتمعاتنا الذي تنفر منه كثير من الكفاءات العليا؛ واقع ضعيف التحفيز وبخيل في المكافأة، وربما يمنح أحياناً الأولوية لأمور أخرى غير الكفاءة!

فلا حل لإيقاف النزيف غير سد هذه الثغرات، واحتواء الكفاءات المحلية عوض تركها تحلق بعيداً لتعشش في أراضي الآخرين.

* بكالوريوس آداب وعلوم إنسانية، مدرّس وناشط ثقافي، المغرب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق