د. عبدالله الغذامي: كيف تصبح كاتباً؟ - باث أرابيا patharabia

Last posts أحدث المواد

11/19/2022

د. عبدالله الغذامي: كيف تصبح كاتباً؟

د. عبدالله الغذامي 

د. عبدالله الغذامي *

يقول ابن خلدون: «ملكة البلاغة تحصل بممارسة كلام العرب وتكرره على السمع والتفطن لخواص تراكيبه»، وأستطيع القول تبعاً لذلك، إن ابن خلدون قد رسم لي نظام حياتي في يفاعتي، فقد كنت أتابع لغة زملاء لنا سبقونا في المعهد العلمي وأتوق للوصول لمستواهم في التعبير السلس في الكتابة والخطابة، كما كنت أشارك والدي في سماع الأحاديث الإذاعية، فتطرب نفسي للغة التي تتدفق عبر صوت المذياع وفي الوقت نفسه كنت مغرماً بقراءة كتب التراث رغم صغر سني، وكنت أعزف عن قراءة الروايات الحديثة لإحساس تولد في ذهني حينذاك أن لغة تلك الرويات لا تصنع معرفةً لغويةً متينة، بل كنت أسخر من زملاء من أقراني الذين كانوا مولعين بقراءة كتب إحسان عبد القدوس، ويوسف السباعي، وأراهم يضيعون وقتهم بالسخيف والساذج على عكس كتب العقد الفريد والكامل، وكتب الجاحظ والأغاني للأصفهاني ومروج الذهب للمسعودي ونفح الطيب والذخيرة، وهي الكتب التي لمّا أزل أحتفظ بها في مكتبتي منذ زمن اليفاعة حتى اليوم وعليها آثار أصابعي مطبوعة على صفحاتها وأكاد أرى أصابعي عليها عياناً، بل إني أعتقد أنها لا تظهر لغيري، وأنها فقط تتجلى لي وحدي، فأجد فيها رائحة زمني الأول وبيتنا الطيني في حي «المسهرية» في عنيزة، وإن هدمت بلدية عنيزة حارتنا تلك واندثر بيتنا، لكنه باقٍ في ورقات كتبي يتحرك بين الصفحات وبين الأسطر كلما نظرت في أي كتاب من كتبي المبكرة.

على أن هذه الكتب صنعت لي لغتي، وذلك تصديق لكلمة ابن خلدون ومنذ صحبت تلك الكتب أصبحت خطيباً في منتدى المعهد وكاتباً في الصحف الحائطية التي تطرز جدران وممرات المعهد وتجرأت وكتبت الشعر ونشرت بعضه في جريدة الجزيرة عام 1964 وكانت قصيدة عن ثورة عدن ضد الاستعمار البريطاني، وكل ذلك كان بسبب مخزون اللغة الذي ضخته تلك الكتب في ذهني، والطريف أن صحبي الذين مالوا للروايات لم ينجح أحد منهم في أن يتفوق في لغته التعبيرية، مقارنةً مع زملاء آخرين كانوا يهتمون بكتب التراث ولي مع هؤلاء التراثيين منافسات في استعارة الكتب وتتبع الطبعات الجديدة منها، ولم ألتفت للأدب الحديث إلا متأخراً على أننا لم نكن نرى طه حسين والعقاد وأحمد شوقي إلا من التراث المتين على عكس زملائنا عشاق الروايات الذين عزفوا حتى عن طه ومجموعته، وتبعاً لاهتمام العقاد بشعراء المهجر، فقد تابعنا المهجريين بشغف وتعلق عميقين، ولم أقرأ نجيب محفوظ إلا في الجامعة، حيث قرأت ثلاثيته وفي الوقت ذاته عثرت على رواية الأم لماكسيم جوركي في المكتبة العامة في الرياض عام 1965 وعبر جوركي ومحفوظ دخلت للأدب الحديث، وتعرفت كذلك على نازك الملائكة والسياب، وهنا جرى التوازن عندي بين التراث والحداثة وما بعد الحداثة في نظريات النقد والإبداع، ولا أقول إني تجاوزت التراث، بل أصبحت أقرأ التراث بعيون حداثية وبوعي ناقد، وهذا جعلني في توازن ذهني ومعرفي ولغوي بين أساليب اللغة ونظم تفكيرها ولم أعد أتزمت بوضع معايير طبقية بين تراث وحداثة أو شعر ورواية، وإنما أخذت بميزان النظر النقدي مهما كانت حال النص. وهنا جرى التوازن عندي بين التراث والحداثة وما بعد الحداثة في نظريات النقد والإبداع.


* كاتب وناقد سعودي

- نقلاً عن صحيفة الاتحاد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق