د. عبدالله الغذامي: فتنة القول - باث أرابيا patharabia

Last posts أحدث المواد

11/12/2022

د. عبدالله الغذامي: فتنة القول

د. عبدالله الغذامي

د. عبدالله الغذامي *

استعاذ الجاحظ من فتنة القول في افتتاحية كتابه البيان والتبيين، على أن فتنة القول تأخذ وجوهاً عدةً، ومن وجوهها ما أشارت له كلمة لأبي بكر الصديق، حيث كان يوصي ولاته بوصايا منها تحذيرهم من إطالة الكلام في خطبهم، فيقول: إياك وإطالة الكلام، فإن الكلام إذا طال أنسى بعضه بعضاً، أي أن «القول يلغي القول»، بسبب الإثقال على ذاكرة السامع، فتجنح الذاكرة إلى لعبتها المفضلة في الانتقاء، فتنسخ بعضاً لكي تحتفظ ببعض، ثم إن الإطالة تحدث الملل تماماً مثل فتنة الاستطراد، حيث يتنقل المتحدث من مسألة إلى أخرى قبل إشباع ما قبلها، ومن الامتحانات الصعبة على المتحدث أن يلتزم بالإيجاز ويمنع شهية الكلام من أن توقعه في «فتنة القول»، وقد قيل عن الخطيب الروماني الشهير شيشرون إنه سئل كيف يحضّر نفسه لخطبة قصيرة، فقال: إنه يحتاج ليومٍ كامل لتحضير كلمة مختصرة، وحين تعجبوا من رده وسألوه: إذن كم تحتاج من وقت لخطبة تمتد لساعات فقال: هذه لا تحتاج لتحضير ويكفي أن أشرع في القول وأطلق لساني حراً، وهنا تظهر فتنة القول بأخطر صورها حين يملك المرء الوقت بيده في حين أن الوقت سلطةٌ زمنية ومن ملكه استحوذ على أوقات الناس، فكأنه يحبسهم في الزمن ويجمدهم تحت سلطة لسانه، وهنا تحدث مآزق اللسان وفتنة القول وسيتحول الخطيب إلى طاغية بالمعنى المجازي، لأنه يستحوذ على مسامع الناس ويتحكم في وقتهم ويمتلك زمام تفكيرهم، ومن هنا تأتي المقاومة الصامتة عبر إضراب الأسماع عن السمع له، والسرحان بعيداً عن سلطته، وهذا نوع من التمرد المجازي الذي تمارسه النفوس مع الخطباء مدمني الكلام وينتج عنه ما حذر منه أبو بكر من أن الكلام إذا طال أنسى بعضه بعضاً، فيضيع القول تحت احتجاج الذاكرة من تسلط المتحدث، والقول ذو طبيعة فتانة مثله مثل المال والشهرة وكلها تفتن صاحبها إن هو أسلم نفسه لها، حيث تمسخ حسه بغيره وتورطه بالتعالي والغرور حتى لا يرى غير نفسه مالكاً للوقت وللمعنى وعبرهما يستحوذ على معاني غيره ووقتهم، ويقع تبعاً لذلك في مقاومتهم له ولسلطته ويتحول القول لثرثرة لفظية تفقد المعنى وتفقد الاستجابة السمعية والذهنية.
واختم بكلمات الجاحظ «اللهمّ إنّا نعوذ بك من فتنة القول كما نعوذ بك من فتنة العمل، ونعوذ بك من التكلّف لما لا نحسن كما نعوذ بك من العجب بما نحسن، ونعوذ بك من السّلاطة والهذر، كما نعوذ بك من العيّ والحصر».

* كاتب وناقد سعودي

_ نقلا عن صحيفة "الاتحاد"

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق