فابيولا بدوي: تعلمت من جين فوندا ألا أسعى نحو الكمال - باث أرابيا patharabia

Last posts أحدث المواد

11/19/2022

فابيولا بدوي: تعلمت من جين فوندا ألا أسعى نحو الكمال


فابيولا بدوي

فوجئت خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي بنشر مقتطفات من لقاء استثنائي مع جين فوندا، فبحثت عن اللقاء حتى وجدته ورأيته، وأصف اللقاء بالاستثنائي ليس لأنها النجمة الهوليودية الشهيرة، ولا لأنه السياسية المعروفة، أو لكونها رمزاً للعمل النسائي والتطوعي والخيري، ولكن لأنها كانت تتحدث ببساطة عن مرضها الذي اكتشفته منذ أشهر قليلة، وعن حياتها ومشاعرها. بعد نهاية اللقاء شعرت كأنني أستعد لوداع قطعة مني، فأنا إحدى بنات الجيل الذي كان لجين فوندا في حياتهن دور لا يستهان به.

في سن الخامس عشرة، ولسنوات من عمري كنت أعلق على الحائط المواجه لسريري بوستراً كبيراً لها، حتى أراها كل يوم قبل أن أنام وتكون أول وجه أستيقظ عليه. حينها تصورت أن تعلقي بها كاف لأن أكون مماثلة لها، ليس في الشهرة بطبيعة الحال، ولكن في القوة والشجاعة والأناقة والقدرة على تجاوز الصعاب وتحويلها إلى عطاء إيجابي، لكني مع الوقت أدركت أنني لن أصبح فوندا؛ لأن أهم ما تعلمته من مسيرتها أنني يجب أن أكون ما أنا عليه.

حينما تحدثت عن السرطان وبداية خضوعها لجلسات الكيماوي، تيقنت أنها معركتها الأخيرة مهما طال أمدها، ولم أتمكن من التحكم في تدافع الذكريات، أفلامها، نجاحاتها، فوزها بجائزتي الأوسكار، نضالها ومواقفها، ولا أدري لماذا صدمت؟ وكأن أعوامها الخمسة والثمانين ليست كافية لتؤشر إلى قرب الغياب. وكعادتي أحببتها في هذا اللقاء لصراحتها ولبساطة وعمق طرحها في آن، على الرغم من عدم درايتي بماذا كانت تشعر وقتها، هل بالفعل بداخلها قوة تدفعها للشعور بالامتنان لهذه الحياة التي مكنتها من فعل الكثير؟

نعم قد أحببتها وما زلت وسأظل وستبقى معي حتى النهاية رمزاً يمنحني ضوءاً دائماً في نهاية كل نفق، وهذا المعنى نستلهمه من الفنان المبدع صاحب الرؤية، وربما لهذا قال أفلاطون: علموا أولادكم الفنون ثم أغلقوا السجون. وهكذا كانت جين فوندا الفنانة الإنسانة، التي فقدت والدتها مع بدايات المراهقة وكانت تظن أنها غابت عنها جراء نوبة قلبية، بحسب ما قيل لها، لتكتشف مصادفة أنها رحلت عن عالمها منتحرة، ومن بعدها ظل الانتحار شبحاً مؤلماً في حياتها حيث نجا شقيقها من محاولة انتحار قاسية، وأيضاً رحلت زوجة أبيها الأولى منتحرة، لم تكن علاقتها بوالدها طيبة بل شديدة التعقيد، لكنها استطاعت القفز فوق كل هذا ولم تصبح مجرد فنانة جميلة بل كانت النموذج، والإنسانة صاحبة المبادئ وذات المسيرة النضالية خصوصاً في موقفها الصارم من رفض حرب فيتنام، ومن عباراتها تعلمت أنه: لكي تكون ثورياً، ينبغي أن تكون إنساناً، ما يعني أن عليك أن تهتم بمن لا يملكون سلطة.

بشكل عام لا يصل إلى هذا المفهوم إلا من صنع من الألم أنغاماً يستطيع عزفها مع الآخرين، فيما نجد الكثير يجدون في آلامهم مبرراً للكراهية أو لإثارة الشفقة. بالتأكيد من الصعب تخيل أن ردود أفعالنا تجاه معاناتنا واحدة، لكن القادر فقط على القفز عليها وتحويلها إلى مسار إيجابي يبقى وحده مميزاً في حياة كل من يقترب من أفكاره.

بالتأكيد شعرت بالألم وأنا أتابع لقاءها منذ أيام، ربما لأنها تتألم وربما لأنها كانت حريصة على ألا تخذل عشاقها فبدت وكأنها تتناغم مع هذا الألم! أكدت أكثر من مرة خلال حديثها أنها تعلم أنه لم يتبق الكثير كي تعيشه في هذه الحياة، لكنها في الوقت ذاته ستعمل حتى اللحظة الأخيرة من أجل ضمان استمرار جمعيتها التي أسستها في منتصف التسعينات (لدعم المراهقين وتأمين الفرص لهم) وهذه ليست جمعيتها الوحيدة، فقد أسست بعدها جمعية خيرية تديرها حتى اليوم بنفسها، وقبلها مركز إعلام النساء، وغيرهم، لكن هذه جمعية المراهقين هي الأهم بالنسبة لها. حينما قالت هذه العبارات وكأنها تبعث كعادتها برسالة لكل متابعيها: أنها ستظل باقية لأنها لم تكن يوماً على هامش الحياة بل في قلبها.

كم أتمنى لها أن تخرج من معركة مرضها منتصرة، على الرغم من قولها: إنها تستعد للذهاب بعيداً، في كل الحالات لن أنكر أني أشعر بمرارة لأن الحياة تخذلني كما خذلتني مراراً بوداع من أحببتهم وتعلمت منهم، لكنني فخورة لكوني محظوظة بحبي ومتابعتي لجين فوندا، وبإيماني أن الفنان الحقيقي يمكن أن يغير نظرة جيل بأكمله، وبأن الكراهية وجلد الآخرين من المستحيل أن يكونا طريقاً نحو حياة أجمل، فقط محاولة أن نكون أفضل هي ما ستمكننا من المساهمة في التغيير، وتمنحنا القوة في البقاء، والقدرة على الانسحاب بابتسامة حينما يحين وقت الذهاب.

هذا أيضاً ما تعلمته من هذه الفنانة العملاقة: أننا لم نخلق كاملين، ولكن علينا أن نسير نحو الأفضل، وليس بمقدورنا أن نكون أفضل إذا ما تطلعنا إلى الكمال. هذه الكلمات ظلت معي طويلاً بل وشكلت حياتي، فلم أتطلع يوماً إلى الكمال، فقط أردت وأريد أن أكون أفضل مما أنا عليه، حاولت ونجحت وأخفقت وسأظل حتى النهاية ما بين حلمي وإخفاقاتي متطلعة لأن أكون أفضل مما أنا عليه.

* كاتبة وصحافية مصرية مقيمة في باريس






هناك تعليق واحد:

  1. غير معرف11/23/2022

    دكتورة فابيولا انتي رائعة كالعادة وملهمة للكثيرين !

    ردحذف