كنانة العيسى: المشهد الأدبي مزدحم بالابتذال والضعف والنسخ والانسلاخ عن الواقع - باث أرابيا patharabia

Last posts أحدث المواد


12/10/2022

كنانة العيسى: المشهد الأدبي مزدحم بالابتذال والضعف والنسخ والانسلاخ عن الواقع

مشاهدة
كنانة عيسى

طرطوس، سوريا: حسام الساحلي

تأتي أهمية الكتاب كمنتج إبداعي من أهمية الكتابة، وشخصيّة الكاتب الرّادفة للهمّ الإنساني. تأتي هذه الأهميّة كمسؤوليّة تصنّف الإنتاج الأدبي كرؤية إبداعيّة أولاً.. على الكاتب أن يحلقَ في إبداعه، وأن يبقى في رحيلٍ دائمٍ باحثاً عن الأجوبة؛ فالحقائق متغيّرات لا تهدأ.. كذلك لابدّ للثّقافة الحقيقيّة أن تكون الوجه الآخر للموهبة والمخزون المعرفي واتّضاح الرّؤية بين النّظريّة والتّطبيق؛ وبين الفرضيّة والحقيقة؛ والانعتاق من الأدلجة والقدرة على تشخيص الخلل بالحياد التّنويري. 

ولابَّد للكاتب أن يكون صاحب رسالةٍ ما، قادراًعلى خلق الجَّمال حتّى من قلب الألم، والمعاناة، وتحرير الواقع من المحاكمات المعلبة، ونقل الحياة ضمن أدبية الأدب إلى لحظة اليقظة سواءً أكان الكاتب ناقداً أم فيلسوفاً أم روائياً أم قاصّاً أم كاتب مقالٍ صحفيٍّ أم مسرحيّاً أم شاعراً.. كاتباً للجمال أم متبنيّاً لأدب القبح، مجدّداً في السّرد الشّعري أم كاتباً كلاسيكيّاً نمطيّاً.. شجاعاً في خلق أنساق مواربة في واقعية سحرية مستفزة، أم مختبئاً خلف سريالية رمزية، لا يكتمل الإبداع الحقيقي إلا بالشّجاعة والمعرفة وتبنّي الرسالة الإنسانية. إنه ذلك القلقُ الوجودي الذي يجعل الكتابة تحرّراً من المعروف والمألوف.

عن موضوع الكتابة، وهموم النّشر، والمشهد الثّقافي العربي، تواصلت "باث أرابيا" مع الكاتبة السّورية (كنانة عيسى) الحاصلة على الإقامة الذهبية تكريماً لها من حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة في مجال الإبداع الكتابي للعام 2020. كرمت من قبل الشيخة هند القاسمي للإبداع الكتابي في العام 2021. عضوة في اتحاد كتاب و أدباء الإمارات 2022.

كنانة عيسى (يساراً)

هل الكتاب مجرد سلعة تروج لها معارض الكتاب؟!

تفتتح الكاتبة حديثها: "صرنا نسأل أنفسنا هل الكتاب مجرد سلعة تروج لها معارض الكتاب؟ أم أنّها جسر خلاق بين المؤلف، وجمهوره. بين فكره وتجسده وبين ماهية وصوله وتحقيق رسالته؟ ولذلك غدت معارض الكتاب أزمة تمشي على قدمين، لا سيما بعد الجائحة التي ضربت في كل اتجاه، وسلّمت الجميع إلى عزلة إجبارية خرجنا منها بصعوبة، وفي قلب هذا العالم الذي مازال يتعافى من داء العزلة، تواجه صناعة الكتاب أزمات لا حدَّ لها، منها تراجع القوّة الشرائية، وارتفاع كلفة الإنتاج والطباعة وضعف الإقبال على القراءة وأزمة التزوير والاعتداء على حقوق الملكية الفكرية والقرصنة الإلكترونية وإغلاقِ المكتبات وإلغاء معارض الكتاب، مما تسبب بخسائر غير عادية للناشرين والكتَّاب على حد السواء".. 

وتتابع "أسهمت الإجراءات التي اتخذتها الدول في تعطيل حركة المعارض، كرافعة من روافع تلك الصناعة التي تضرَّرت أيضاً بسبب صعوبة شحن الورق، والأحبار، ومستلزمات الطباعة، ولأن الأزمة الاقتصادية طاحنة، فقد تسببت برفع تكلفة إنتاج الكتاب، وبالتالي سعره، مما جعل الكتاب غير مدرج في قائمة الأولويات، لعالم يعمل بنصف طاقته الذهنية، جراء ظروف جائحة كورونا.. ويرى البعض أنَّ المسألة أكبر من ذلك، إذ إنَّ التحدي الأكبر، يتمثل في الأزمة الاقتصادية والاضطرابات السياسية، في بعض بلداننا، وما ارتبط بذلك من تراجع وانهيار على كلِّ المستويات، والكساد الذي يشهده العالم.. وبرغم عودة السياحة وحرية التنقل، إلا أن هذه الجائحة وتداعياتها كان لها تأثير مخيف في صناعة النشر، وسوق الكتاب".


حول فكرة نشر كتاب نقدي لقصص الأدباء المغمورين

وعلى السؤال: كيف خطرت لك فكرة نشر كتاب نقدي لقصص الأدباء المغمورين والذين ينشرون على الفيس بوك؟

 تجيب الكاتبة كنانة عيسى :"بدأ الأمر بالقراءة والتذوق للنصوص الطازجة التي تكتب بلغة (الآن) على وسائل التواصل الاجتماعي، فلابدّ للناقد من أن يكون موسوعياً قارئاً واسع الاطلاع، وقد تنازعني في خضم رحلتي القرائية شعوران متناقضان، شعور تجاه النصوص الأدبية المدهشة التي ترقى لإنتاج الرعيل الأول، النصوص المغيبة التي تتوهج على الهامش ولا تستحوذ إلا على القليل من الصّدى والقبول، والتي تقاس بموازين الذائقة الخاصة بعيداً عن الحياد الانتقائي المعياري، و شعور مضطرب مثير للخيبات تجاه النصوص السطحية المستهلكة بثيمتها، وخللها السردي وحبكتها الساذجة، والتي تحظى بالشعبية وتتصدر مطبوعات ورقية يحتفي أصحابها بتفردها في العوالم الرقمية برغم أنها لا تصنَّف إلا تحت ملصق الأدب الرديء. وشعرت بمسؤوليتي تجاه ما أراه من أزمة أخلاقية بحق الإبداع الأدبي بتصنيفاته المعاصرة. وبدأت رحلة الجمع، والتوثيق والفرز والتصنيف، ومن ثم خلق الرؤية النقدية من منطلق الاستحقاق والتوثيق ودعم رسالتي الأدبية بالارتقاء فكراً وأدباً من خلال إشهار هوية الأقلام المبدعة كمشروع تنويري ينهض بحركة الإنتاج الأدبي الرقمي ذي الإيقاع السريع و المتسارع والمزدحم".

المشهد الثقافي العربي

تتابع الكاتبة كنانة حديثها الشيّق، وتحاول أن ترسم لنا لوحة حول المشهد الثقافي العربي المعاصر:

"أرى المشهد الثقافي العربي، والنّقدي في أزمة حقيقية.. الكاتب عموماً نتاج مجتمعه وحقبته، وظروفه.. فقدنا رمز الأديب القدوة، والمثل الأعلى، كل ما لدينا الآن من هوامش لجيل منقرض فقد بوصلته وحسّه الوطني ووعيه الثّقافي أمام عولمة ممنهجة، شوّهت مفهوم الشّخصية الوطنية ومقومات تطورها ونبوغها.. وحشرت أدباء العصر الراهن في انفعالات ثقافية عشوائية ذاتية تفتقد للإبداع المتنوع، فقد بتنا غارقين في آداب محدّدة باهتة تفتقد للحماس والجرأة، والبعيدة عن النظريات الاستراتيجية، واللهفة العشقية الخارجة عن كل سرب، والقلق العدمي الوجودي، إلا قلة قليلة تضيع في واقع ازدحام المشهد الأدبي بالابتذال والضعف والنسخ واللصق والانسلاخ عن هوية الواقع المتشرذم. وبرغم تلك الأزمة فنحن نواجه محاولات خلق أدبٍ توليدي جديد، يولِّد الدَّهشة وينطلق من الذَّاكرة المشبوهةِ لأدب الشرفاء وأصحاب المواقف مثل: دنقل ودرويش ومطر من عمق تأثيرها القديم المتجدِّد في الذَّاكرة الجمعية محاولين بذلك خلق أفقٍ متجددٍ لا ينسى ماضيه ولا يشطر حاضره ويشظّيه إلا برؤية الحقيقة. ولذلك تلتصق مفاهيم العبث والقلق وجلد الذات والتفلَّت من أطر المقبول والمتعارف عليه في النصوص العربية المعاصرة ضمن غائية البحث عن القبول النقدي وتجِّلياته رغبة بالاستمراريةِ ورغبة في إحساس الكاتب بأنَّه مازال مسيطراً على روح كلمته ورسالتها. وبرغم ذلك لا يمكن لهذا الصّراع الفكريِّ أن يجرِّم المبدع أو أن ينتقص من مشاركته الإنسانيةِ والمعرفيةِ. أرى القداسة مرتبطة بالخلود الإبداعي العربي كموروث إنساني غني ومتجذر لاترتبط بإيقونات مرحلية كما أعتقد، لكنَّ ذلك لا يلغي إنتاجاتٍ عميقةِ التَّأثير أسسها مثقفون مرحليون وقامات أدبية ونقدية تركت الأثر والفكر وإرادة التغيير. 

ولذلك فإن أهمية الموروثين الثقافي والأدبي والنقدي في المجتمعات العربية وماسواها لا يمكن تهميشها والقفز عنها والحدُّ من تأثيرها.. فلا يمكن سحب البساط من تحت انتمى للإنسانية أولاً، فقدان الاعتراف بالتّيارات الفكرية الرَّائدة على اختلافها منذ تاريخ الأمِّة العربية والعالمية هو جحودٌ واعٍ يصدِّر الأحكام من دون مبرر ينبغي لنا تحاشيه. نحن دون وعي منا نؤدلج ما نحب ونرفض ما لا يوافق مذاقنا النفسي المتطرف ومخزوننا المعرفي إن وجد. كم من الصعب أن تكون أديباً متوازناً أو مثقفاً طبيعياً وناقدًا حيادياً في هذا العالم الراهن المرعب الذي يسقط فيه الأدب سقوطاً حراً ليصل لقاع تملؤه الأقنعة والبراقع. يبقى لدينا أولئك الذين يعيدون إنتاج الثَّرثرة فلن يحظوا بغير الشَّهرة وتصدُّر الصفحات الأدبية لبضعة أيام، لذلك فلا عجب أن نرى عدداً كبيراً من الإنتاجات الأدبية الفارغة السَّطحية التي وسمت لحظة خلقها بمدِّة صلاحية معينة والتي سببتها وسائل التواصل الاجتماعي والتجرؤ على الكتابة في غياب الإبداع و التجليات".



مشروع ثقافي 

"المشروع الثقافي بالنسبة لي هو جزء من كل، أن أكون جزءاً من حركة ثقافية نخبوية عربية الهوية هو إنجاز أفتخر به، ولاسيما أن مجتمع الإمارات العربية المتحدة هو نسيج حضاري عميق تتخذ فيه الثقافة، والحراك الأدبي صفة متجددة معاصرة لتنوعه وغناه، ولا سيما أن الشارقة تعد عاصمة الثقافة العربية الجديدة، وتضطلع بدور ثقافي رائد، وتواصل رسالتها النبيلة منذ وقت طويل، وأنا أدرك أنني مازلت في البداية، وأنّ مسؤولية الانتماء للنخبة ومواكبة الحركة الثقافية هي مهمة تتطلب المواكبة، والمثابرة، والتجذر المعرفي لتحقيق الانتماء للنسيج الإنساني المبدع. 

في العام 1981، أصدر صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي مرسوماً أميرياً، يقضي بإنشاء "الدائرة الثقافية" والتي عرفت فيما بعد بـ"دائرة الثقافة والإعلام" إلى أن تم تغيير الاسم إلى دائرة الثقافة، وذلك تعزيزاً للجهد الثقافي المبذول وحرصاً على تطوير وتوسيع قاعدة العمل الثقافي الخلاق ليصل إلى الإنسان العربي في كل مكان، وقد حرصت الدائرة منذ قيامها على تحقيق ذلك عبر أنشطة ثقافية عربية وإسلامية تؤثر وتتأثر بالثقافة الإنسانية في مفهومها الشامل والواسع ومنطلقة من شعار حاكم الشارقة: "كفانا من ثورة الكونكريت و لنتحول إلى بناء الإنسان". ترتكز الدائرة على الجوانب الثقافية في إمارة الشارقة بحيث توسعت، وتعاظمت مهامها وأدوارها..  ليس محلياً فحسب، بل غدت وجهة لاستقطاب الإبداع العربي من كافة أرجاء الوطن العربي، من خلال تحديد الأهداف العليا والأساسية التي تسعى إلى تحقيقها، ووضع البرامج السنوية من مسابقات، وأنشطة وفعاليات لتحقيق تلك الأهداف، مثل تحديد أولويات العمل الثقافي بما يتفق مع الهوية العروبية ضمن استراتيجة طويلة المدى تستثمر الإبداع العربي وتخلق المحافظة على الثقافة والموروث والفنون الوطنية في شتى مجالات الإبداع المسرحي والقصصي والشعري والنقدي، ولذلك فإن نجاحي بنشر كتاب نقدي ضمن منشورات دائرة الثقافة هو إنجاز ثقافي مؤسساتي كبير واعتراف حقيقي بعلنية الهوية الثقافية العربية المبدعة".. 

هكذا وصفت لنا الكاتبة كنانة عيسى مشروعها وحلمها الثقافي المقبل.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق