ديما سلمان: فدوى طوقان في ذكرى رحيلها.. قصة الكفاح والمعاناة والتحدي - باث أرابيا patharabia

Last posts أحدث المواد


12/13/2022

ديما سلمان: فدوى طوقان في ذكرى رحيلها.. قصة الكفاح والمعاناة والتحدي

مشاهدة


ديما يوسف سلمان *

إنّها شاعرة فلسطين بل أمّ الشعر الفلسطيني كما أسماها محمود درويش.. إنّها الأديبة والشاعرة فدوى طوقان التي ولدت في مدينة نابلس في فلسطين عام 1917 لأسرةٍ فلسطينيةٍ وطنية معروفة حيث اعتبرت عائلتها مشاركة المرأة في الحياة العملية أمراً غير مقبول فتركت مقاعد الدرس بضغط من أهلها لكنها استطاعت ان تواجه واقعها القاسي بالتحدي والعمل والإرادة القوية واجهت الصعاب وقدّمت أجمل المؤلفات الشعرية كما قدّمت لنا سيرتها الذاتية في جزأين (رحلة جبلية رحلة صعبة) و(الرحلة الأصعب) لتكون هذه السيرة من أجمل كتب البوح والاعتراف والنقد اللاذع للعادات والتقاليد، فقصتها كما تصفها هي (قصة كفاح البذرة مع الأرض الصّخرية الصّلبة إنها قصة الكفاح مع العطش والتصحر). 

هذا التصحر الذي عانته فدوى في العادات والتقاليد ونظرة من حولها إليها على الرّغم من أنهم من أقرب الناس لها.. لقد عانت من أشكال التقوقع والجمود التي فرضها أغلب من حولها عليها خصوصاً من المجتمع الذكوري بدءاً من أبيها الذي كما تذكر في مذكراتها لم يكن يبادلها الحديث قطّ أو المداعبة وتبوح شاعرتنا (إن المشاعر المتراكمة التي نكسبها في طفولتنا نظلّ نحتفظ بمذاقها المرّ مهما بلغ بنا العمر).. حتى ذلك الحنان الأموي لم تلمسه فدوى كباقي إخوتها بل كان يأتي من قبل أمها مشرباً ببعض القسوة والتعصيب غير المبرر عليها، وكثيراً ما كانت تسمع أمها تروي حوادث وطرائف عن طفولة إخوتها، وعندما كان يأتي الدور عليها للأسف تكون ذاكرة الأم خالية من أية طرفة عن طفولة فدوى، فتصل فدوى إلى نتيجة أخرى (أنكمش في داخلي وأحس بلا شيئيتي: إنني لاشيء وليس لي مكان في ذاكرتها).

المزيد من أحاسيس الوحدة والكبت والحزن والظلم تبوح بها شاعرتنا في بدايات مذكراتها لتستخلص منها بعض التحليلات النفسية لعالم الطفولة وظروفها والبيئة وعلاقتها بشخصية الإنسان لاحقاً... فكأنما مذكراتها تفرّدت تلقائياً لتشير إلى الكثير من العوامل النفسية والمشاعر المؤلمة التي تظل ترخي بظلالها على حياة الإنسان وشخصيته وعوالمه لاحقاً. إنّ إحساسها بإهمال أبويها كان متجلياً في سطور مذكراتها، فهي التي خرجت من ظلمات المجهول إلى عالم غير مستعدّ أصلاً لتقبلها حيث إنها الوحيدة من إخوتها التي حاولت أمها التخلص منها في الشهور الأولى لحملها نتيجة إرهاقها من عمليات الحمل والإرضاع والولادة، لتأتي فدوى إلى الدنيا لأب كان يرغب أن تكون صبياً فإذا بها تخيب أمله وتعترف فدوى بكلّ واقعية أن طفولتها لم تكن أبداً بالطفولة السعيدة المدللة، حيث تقول في مذكراتها (كنت أتلهف للحصول على حبّ أبوي واهتمام خاص وتحقيق رغبات لم يحققاها لي في يوم ما).. 

إنها آلام القهر والحرمان من العاطفة.. هذي المشاعر التي تظل ترخي بظلالها على شخصية الإنسان، فكيف بها على طفلة بعمر الورد، تتوق وتتلهف لحنان الأبوين، فلا تكاد تجده حتى إنها أصبحت تشتهي وعكات حمى الملاريا لتحسّ بحنان أمها ولهفتها عليها. وتستمر فدوى بأسلوبٍ آسر بوصف تلك الحالة من المعاناة والكبت والقهر ومحاولات التضييق الذي تكلل للأسف بحرمانها من المدرسة، وذلك كله بسبب وردة قدمها لها غلام تبادل معا نظرات الحب.. جن جنون أخيها، ووقتها تم حرمانها من الذهاب للمدرسة، لتكون علامة فارقة في مسيرة أحزانها ومعاناتها/ الأمر الذي تجسد بأبشع أشكال الظلم.. فالمدرسة كانت المتنفس الوحيد لها، بل كانت المكان الأكثر ملاءمة لها والأحب إليها من البيت.. وهكذا عادت إلى ظلمات غرفتها بعد أن أصدر أخوها يوسف الحكم عليها بالإقامة الجبرية، وتعترف شاعرتنا بكل أسف (ما أشد الضرر الذي يصيب طبيعة الصغار والمراهقين الأصلية بفعل خطأ التربية وسوء الفهم).. وبدأ يتكثف لديها الشعور الساحق بالظلم حتى إنها وصلت للتفكير بالانتحار.. تقول فدوى (كان الانتحار هو الوسيلة الوحيدة.. هو إمكانيتي الوحيدة للانتقام من ظلم الأهل).. ولكن طبعاً كانت تتراجع عنه في اللحظات الأخيرة خوفاً من الألم الجسدي، ومن آلامه قبل الموت.. وهكذا راحت تتحصن بعزلتها، تصنع عالمها الخاص الذي لا يمكنهم اقتحامه.

ويشاء القدر أن يعود أخوها إبراهيم من بيروت عام 1929حاملاً شهادته من الجامعة الأمريكية فيها، ليستقر في نابلس لممارسة مهنة التعليم (ومع وجه إبراهيم أشرق وجه الله على حياتي).. هكذا عبرت شاعرتنا عن حجم الأمل الذي تجدد في حياتها من خلال أخيها إبراهيم الذي كان بالنسبة إليها المصحّ النفسي الذي أنقذها من الانهيارات الداخلية، فقد كان بالنسبة إليها كما كان بالنسبة لباقي أخواتها ينبوع حبٍّ وحنان متدفق.. وبدأ إبراهيم يتعهدها بعطفه ورعايته، وهو الذي كان يمثل آنذاك صوت الإنسان الفلسطيني بشعره المقاوم.. وتجلت رعاية إبراهيم لها، بأن أصبحت فدوى بين عامي 1931 و1932 قادرة خلال فترة قياسية على كتابة رسائل وقصائد خالية من عيوب الصرف والنحو والعروض، وهكذا بدأت تنظم الشعر.. وكأي شاعر قبل أن ينمو يمر بمرحلة التقليد.

 كان ابن الرومي من أوائل الشعراء الذين أحبتهم، وهو الذي قال في مطلع قصيدته التي يرثي فيها ابنه:

بكاؤكما يشفي و إن كان لا يجدي
فجودا فقد أودى نظيركما عندي

قالت فدوى مشوقة لأخيها إبراهيم:
لقد زاد في قلبي اشتياقي فهل
عند إبراهيم مثل الذي عندي
أقول لعين تشتهي النوم كفكفي
دمعك قبلا تستريحي من السهد
ألا ليت شعري هل تجيء ديارنا
فيذهب ما يلقاه قلبي من الوجد

فحمل أخوها يوسف القصيدة ليطلع عليها الشاعر (عبدالكريم كرمي أبوسلمى ) لتفاجأ بأن القصيدة منشورة ذات صباح في جريدة (مرآة الشرق ) التي كان يصدرها في القدس الصحفي الفلسطيني بولس شحادة، وبدلاً من أن تشعر بالغبطة والفرحة صعقتها المفاجأة.. فقد خافت من ردة فعل أبيها الذي توقعت أن يحرمها من كتابة الشعر بعد اليوم، لكن هذا الكابوس الثقيل مرّ بسلام.. فأبوها لم يعلق بأية كلمة، وهكذا كانت الانطلاقة لشعر فدوى بعد معاناة الظلم والقهر والحصار والتضييق الأسري، عدا عن العادات والتقاليد البائسة التي تقيد كل عقل حر منطلق، فتحدت فدوى الصعاب وواجهت المستحيل بالكفاح والتحدي والإرادة الصلبة، لتقدّم أجمل الدواوين الشعرية والقصائد في الهمّ الأنثوي والوطني، كما قدمت مذكراتها وقدمت لنا من خلالها العبرة في قوة الإرادة والتحدي لمواجهة الصعاب في تلك الرحلة الجبلية الصعبة.

وفي 12 من شهر كانون الثاني عام 2003 توفيت الشاعرة الكبيرة عن عمر86 عاماً ليكتب على قبرها قصيدتها المشهورة: 
كفاني أموت عليها وأدفن فيها.
وأبعثُ عشباً على أرضها
وأبعثُ زهرة إليها
تعبث بها كفّ طفلٍ نمته بلادي
كفاني أظلّ بحضن بلادي
تراباً وعشباً وزهرة

نعم هذه هي شاعرة فلسطين التي كتبت وطنها شعراً خالداً، وأرّخت عبر مذكراتها معاناتها و ربما معاناة الكثيرات مثلها في تلك الحقبة البعيدة من تاريخ الأمة.

* دبلوم إدارة أعمال، مدرسة علوم تجارية، مهتمة بالكتابة، سوريا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق