زكريا حيدر: التجديد الأدبي بين الفكر والهوية - باث أرابيا patharabia

Last posts أحدث المواد


1/25/2023

زكريا حيدر: التجديد الأدبي بين الفكر والهوية

مشاهدة
زكريا حيدر

زكريا حيدر *

التجديد وسيلة أم غاية؟

عندما يقف كاتبٌ ما على عتبة الكتابة، فإنّ أول ما سيقدح في محرّك كلماته سؤالٌ بسيط: "ماذا أريد من الكتابة؟" ومن هذا السؤال البسيط - المعقد أشدّ التعقيد - تنطلق نظريات الكتابة الإبداعية أجمعها، ليقذف بنا موج التفكير إلى جواب واحد، "التجديد". وأنا سأنطلق من هذه الكلمة نحو أسئلة أعمق، لنعرف ماذا نريد حقاً من الكتابة، وماذا نريد من التجديد.

الكتابة عامل تأثير وتأثر

إنّ الكتابة عامل تأثيرٍ وتأثرٍ في آن، ومن هذا التعريف يمكننا أن ندرك أنّها لا تحقق ذاتها ولا تجديدها المأمول بمعزلٍ عن الضجة المحيطة بها سواء على صعيد السياسة، الاقتصاد، المجتمع، أو الفلسفة، وهي بذلك تمتص مواضيعها من محيطها المتنوع المتشعب، لتحوله بفكرٍ إنساني متطور إلى أشكالٍ مختلفة من قوى التأثير.

ويمكننا أن نرى جلياً تأثير التجديد الديني والسياسي الذي أحدثه "مارتن لوثر" في العصور الوسطى في أوروبا، كظهور أنواع أدبية جديدة مثل المقالة مع مونتين، والأشكال الموزونة الجديدة مثل المقطع الشعري السنبسري. ويكفي دليلاً قاطعاً، أنّ الفترة التي بدأت مع هذا التجديد الديني السياسي الضخم قد سميت بعصر النهضة للتأكيد على نظرية التأثير والتأثر تلك.

الحاجة إلى التجديد

في جهة مقابلة، يلح سؤال وجودي على الأدب ككل يضمن استمراريته "لماذا نجدد؟" وهذا السؤال إنّما يصير أكثر جدّية إذا ما أدركنا أن القصيدة العربية استمرت ما لا يقل عن مئتي عام دون محولات جدية حقيقية للتجديد في أسلوبها أو مضمونها ومع ثلاثة عصور مختلفة شهدت الكثير من الانقلابات الجذرية في مختلف المجالات.

لكن الجواب يصبح أكثر قرباً إذا ما وصلنا إلى "أبي النواس" على سبيل المثال، وتتبعنا الأوضاع السياسية والفكرية في العصر العباسي، والخلفية الشعوبية، لنكتشف أن التحدي يصبح حاجة ملحة عندما يضيق القديم بتطور العصر فكرياً، وعندما يصبح الأدب أداة فاعلة في عملية التجديد الشامل "الثورة بوجهيها". عندئذٍ يصبح ذلك القديم مائت الروحية والدلالة ويصبح التجديد حاجة فكرية واجتماعية تخدم كل مجالات التجديد الإنساني. من هذا التحليل يمكننا الوصول إلى استنتاج منطقي، يعزي سبب الميل للتجديد إلى محاولة الإنسان للتواصل مع طوارئ قضاياه، وتطوير قدرته على مجارات التبدلات العنيفة التي تحصل في المجتمع، وتعزيز قدرته على التأثير الفعال. وهذا ما سيقودنا إلى سؤال هو لبّ القضية والمقال: "ما هوية التجديد الأدبي؟".

الهوية العربية للتجديد

يقول الدكتور عبدالرزاق السنهوري: "الأمة الضعيفة مولعة بتقليد الأمة القوية التي تحتك بها كما قال ابن خلدون، ولكن لما كان تقليد الفضيلة أصعب من تقليد الرذيلة كان أول ما تأخذ الأمة الضعيفة من الأمة القوية الرذائل التي يسهل تقليدها". إن هذا القول ينعكس انعكاساً مباشراً على كل محاولات التجديد الأدبي في عالمنا العربي اليوم. وها نحن نحاول تكسير وتشويه معالم ثقافتنا وأدبنا العربي بفأس محاربة التقليد، بينما نحن باليد الأخرى نصنع صنماً من التقليد العاجز عن الغرب، ونلبسه ثوب التجديد الشفاف الذي لا يستر عورة الجهل والانقياد للطرف الأقوى. ما معنى التجديد في الأدب العربي، إن لم يكن هذا للتجديد نابعاً من عصارة فكر عربي قادرٍ على إدراك واقعه؟ وتحديد احتياجاته وتحدياته؟ وتصنيع أدواته التجديدية القادرة على بناء خطة نهضوية حداثوية عربية تضمن الهوية العربية وتحافظ على موروثها الثقافي وتراثها الأدبي من الشوائب الأجنبية الهدّامة؟ وقادرة على اختيار ما يصلح لها من هذا الكم الهائل من الاجتياح الفكري والثقافي؟

إن المكتبة العربية تملك ما لاتملك غيرها من آداب اللغات الأخرى، وهذا الغنى إنما يعطيها القدرة على بناء تطورها ونهوضها مرة أخرى، ويمكّنها من التجديد الحقيقي الذي يسمح لها بالتعبير عن قضايا العصر. ومن يقول خلاف ذلك فإنّه إما ينفي عجز اللغة العربية، وهذا جهلٌ بتراثها وتجنّي عليها، وإما ينفي قدرة الفكر العربي على خلق التجديد العربي بنفسه، وهذا ظلم للأمة كاملةً بمفكريها وأدبائها وعلمائها.

كيف نصل لأدب عربي تجديدي؟

إن خلاصة ما نقوله حول موضوع التجديد في الكتابة الإبداعية العربية، أننا وإن ادّعينا التجديد، فإننا في مأزقٍ أدبيّ حقيقي. وهذا المأزق إنما تورطنا فيه جميعاً عندما قررنا الثورة على القديم بحنق وغضب، وتلقفنا الجديد بجهالة، فأضعنا بوصلة النهضة الحقيقية في سراديب الحضارة الغربية المظلمة.

لكننا اليوم نخرج من مخابئنا التي ظلت سنيناً خلف أصابعنا لنواجه سؤالاً جدياً ومصيرياً، كيف سنصل إلى أدب تجديدي عربي النسب والهوية يحاكي التطور المستمر لمجتمعاتنا ويعالج قضاياها واحتياجاتها الإنسانية الملحة؟

* بكالوريوس أدب عربي، لبنان

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق