عبدالإله الشميري: المرأة غزيرة كملهمة وكفيلة بملء فراغات المشاعر - باث أرابيا patharabia

Last posts أحدث المواد


1/23/2023

عبدالإله الشميري: المرأة غزيرة كملهمة وكفيلة بملء فراغات المشاعر

مشاهدة

الشاعر عبدالإله الشميري 

صنعاء: محمد الحميري

البحر بحــران بحر زاد أزرقهُ
قدراً بموسى وبـحـر بالفراهيدي

بهذا البيت الشعري يفتتح الشاعر عبدالإله الشميري الحاصل على جائزة رئيس الجمهورية، والعديد من الجوائز الأدبية، والذي ينحو بالقصيدة منحى خاصاً، تاركاً بصمته في نصوصه الإبداعية، وذلك في حوار أجرته معه "باث أرابيا" للتعرف عليه عن قرب.

* في البداية صف لنا ما الذي يتبادر إلى ذهنك عند سماع مفردة "اللغة"؟
- أشياء كثيرة تتبادر إلى ذهني، أهمها تاريخ الكلمة الشعرية بكل أبعادها التاريخية، في المعاجم، في الكتب المقدسة ووصايا الأنبياء، إلى الحد الذي اقتنعت فيه أننا نبني الأرض ونقيم العالم بالكلمة الشاعرة، وأن الكون مصنوع من لغة فصلها عنه الإنسان الجاهل بها حين تسيد الأرض، ليس القرآن وحده معجز لغوي بالنسبة لنا كأمة شاعرة، بل جميع الكتب السماوية، الأناجيل ومزامير داوود، ففيها من سحر اللغة ما يأخذني لأقاصٍ بعيدة، ويقنعني بأنها كانت تكفيني تلك الكتب لأقرأها فأصبح شاعراً.. هكذا وأنا أتتبع تاريخ اللغة الشعرية لا يساورني شك بأنها الأرضية الأولى للحضارة، والبوابة الأهم للدخول إلى القلوب.

* ما معايير النص الناضج من وجهة نظرك؟
- النص الناضج هو الذي يستوفي جميع ملامحه من ناحية البناء واللغة والفكرة، والذي يترك شيئاً للخلود بعد خروجك من قراءته إضافة للدهشة، فلا تخرج منه إلا وأنت حافظ لبيتٍ منه أو شطر أو معنى.. كثيرة هي النصوص التي تشعرك بالدهشة عند قراءتها، لكنك قد لا تتذكر حتى مفردة واحدة منها بعد إتمام القراءة، النص الناضج هو المليء بالحيوية التي تمكِّنه من مرافقتك للمستقبل، وكلما عدت إليه تدهشك جِدته، وتستغرب كيف أمكنك كتابته.

* رهبة الولوج إلى أدغال القصيدة ظاهرة تلازم بعض الشعراء، هل يعتريك هذا الشعور؟
- لا يعتريني هذا الشعور، فلا رهبة مع الكتابة، ولا شيء سوى المتعة التي لا يُحرم منها إلا من لا علاقة له بالإبداع الأدبي، قد يكون المقصود رهبة المسؤولية الملقاة على عاتق المبدع هي التي تعتريه، أو رهبة المنصة لا رهبة الكتابة، وهذه الحالة ما من شاعر إلا وعاشها، وتحديداً في بداية تجربته، وبالأخص عند القراءات الأولى قبل صعوده المنصة، ثم تضمحل تدريجياً ليصبح الأمر عادياً بعد ذلك، ثم يليه الشعور بالمسؤولية كلما نضج الشاعر وتطورت مهارته.
عبدالإله الشميري

* ما التقنية التي تشتغل عليها عند كتابة نصوصك؟
- أشتغل على الإيحاء الدلالي للمفردة والمعنى، عنفوان اللغة.. لذا تجدني غير شغوف بنزار، أحب المتنبي والبردوني لأني أراهما يحفران معي على الجدار نفسه، التلاعب باللغة في بناء النص، غالباً ما يمثل النص بالنسبة لي لعبة ممتعة، أتلاعب بجمله ومعانيه من حيث التقديم والتأخير وغيرها، تجد ذلك اللعب يبلغ ذروته في نصي "أسرار الرجل الجني" و"طلل الشهرزاد".. ابتكار بعض الأساليب كاللثغة، حذف بعض المفردات، أو جزء من المعنى في نهاية بعض الأبيات أو في متونها كإضافة فنية لا لأجل الحذف ذاته، أو لإقامة الوزن، وبطريقة ذكية تتيح للقارئ أن يستشفه ليكمل المعنى.. التقاط ما هو سائد في يومياتنا من مصكوكات وسلوك، وصياغتها بلغة شعرية لا كعروض فقط.. فمن دون اللغة لن تضيف لها شيئاً، كون هذه المصكوكات موجودة وقائمة في أذهان الناس، سعة أفق التأويل بحيث أن بعض المعاني تتيح لأكثر من قارئ أن يدرك المعنى وفق رؤيته وانتباهه.. تكمن شعرية النص بالتأويل والمساحات الغائبة التي تعبر بها عن احترامك للقارئ، كونه شريكاً مهماً في سبر النص لا كمتلقٍ سلبي.

* للشعراء طقوس خاصة يمارسونها عند الكتابة.. حدثنا عن طقوس عبدالإله؟
- يمكن القول إن لي طرقاً للكتابة وليس طقوساً، لا أؤمِنُ بالطقوس.. وتحديداً الغريبة ساعة الكتابة، كأن أضع عقرباً في قارورة، أو أزين غرفتي بريش الطواويس، كما كان يفعل "هنريك إبسن" و"أوسكار وايلد".. كل ما أحتاجه أن أكون صافي الذهن، ربما تكون هناك طقوس أخرى خفيفة لكنها لا تخرج عن السياق الطبيعي للبشر.. عليّ أن أكون بمفردي، والمكان من حولي في غاية الهدوء، والشبابيك مغلقة، وأنا في كامل أناقتي، المشي في الصباح و باكراً قبل طلوع الشمس، فالمشي خلَّاق جداً لنمو النص، لذا تجد الفرزدق كان كثيراً ما يطوي الصحراء بناقته عندما تداهمه قصيدته.. أمّا خارج المنزل فيداهمني النص وأنا في الشارع أو في مكان عام، فأستعين بالهاتف أو بقصاصات الكرتون أو أكتب على راحة يدي.. أخيراً انتبهت للتسجيل الصوتي، وهذه طريقة سهلة للغاية لتدوين ما يخطر ببالي، لأقوم بتفريغها واستكمالها عند عودتي للمنزل.

* أين يكمُن ذكاء الشاعر برأيك؟
- أرى أن الشاعر الذكي هو من يكتب للمتع والخلود لا للمتعة وحدها، لذا تجدني أدسّ في النص بيتاً أو أكثر من الأبيات التي تبقى كنقش في ذاكرة القارئ، لدرجة أن بعض من التقيت بهم في الواقع لأول مرة حيوني ببعض أبياتي.. مما سرني نجاح هذه الطريقة، فهناك أبيات كثيرة لا يتسع اللقاء لسردها، على سبيل المثال البيت الشعري:

طعم الأبوة دون بنت ناقصٌ
جـــداً لأن البنــت أمّ أبيــــها

* المرأة والقصيدة وجهان لغواية واحدة، أين يكمن سر ذلك التقارب؟

الأرض أنثى إذا دللتها نفرت
وإن تجاهلتها ماتت من الوجدِ

المرأة ملهمة مهمة جداً للشاعر، فملهمة واحدة لا تكفيه ليبدع، رسو الشاعر على امرأة واحدة ينتج نوعاً واحداً من الغزل الممل، فكل امرأة تمنح الشاعر سقفاً إبداعياً مختلفاً عن الأخريات، وذلك وفق جمالها.. أناقتها.. لغتها.. روحها.. مشاكساتها.. عنفوانها.. صدامها.. إلخ، المرأة واسعة جداً وغزيرة كملهمة، لا تكمن أهميتها في الغزل وحسب، فهي تفتح آفاقاً رحبة للشاعر ليكتب في أي غرض يتمنى الكتابة عنه في حال فشله، فالأنثى كفيلة بمشاعرك لتملأ الفراغات الناقصة بقراءتك عن الثقافة والرموز والمعالم.. البلدان والمدن في نهاية الأمر ما هي إلا نساء صادقنني، وفي كل منحى للحياة والطبيعة هناك امرأة ملهمة قائمة عليه وبانتظارك، بصفة عامة المعشوقة تؤنث كل ما حولها لتعشقه وتكتب عنه.

* ما الذي يحتاجه الشاعر كي يبدع؟
- حياة كريمة له ولعائلته، وتفريغه بشكل نهائي إذا ما كان موظفاً، نظام التفريغ الإبداعي سائد في الكثير من الدول المتقدمة، ومعمول به في بعض البلدان العربية كالأردن بشكل مؤقت، وصرف منح مالية معه.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق