هاجس البطالة في الوطن العربي: المؤشرات والحلول - باث أرابيا patharabia

Last posts أحدث المواد


2/08/2023

هاجس البطالة في الوطن العربي: المؤشرات والحلول

مشاهدة


مصر: رامز الشيشي

تمثل ظاهرة البطالة هاجساً مقلقاً لأي نظام اجتماعي في العالم لما فيها من تأثيرات عميقة تشكل قلقاً عميقاً للأشخاص الذين يعيشون ويتعايشون داخل هذه النظم، وفي الوطن العربي خصوصاً تمثل تحدياً هائلاً ومعقداً، وهو تحد يؤثر بعمق على عدد لا يحصى من الأرواح والأسر، ووفقاً للبنك الدولي، بلغت نسبة البطالة في العام 2021 نحو 11.7% مع اختلاف مؤشرات البطالة في كل دولة عربية على حدة، لتحتل قطر المركز الأول في الدول الأقل تأثراً بالبطالة بنسبة 0.3%، في مقابل تصاعد نسبة البطالة في جيبوتي لتصل إلى 28.8%. (لاحظ الرسوم البيانية أدناه).






 ووفقاً لتقرير صادر في العام 2022 عن منظمة العمل الدولية التابعة لمنظمة الأمم المتحدة إن الدول العربية "لديها أعلى وأسرع معدل بطالة بين الشباب في جميع أنحاء العالم، ومن المتوقع أن يبلغ 24.8% "للأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً، مقارنة بالمتوسط العالمي البالغ 15.6%"، وينعكس هذا الرقم في معدل بطالة أعلى بكثير بين الشابات (42.5%).

وعلى الرغم من الموارد الطبيعية الهائلة في الدول العربية مجتمعة، إلا أن معدلات البطالة المرتفعة المستمرة تؤدي إلى انتشار الفقر والاضطرابات الاجتماعية الشائكة والمستمرة للعاطلين عن العمل، وتشمل العوامل المساهمة في تعقيد هذه المعضلة الشائكة في نقص فرص العمل، ونظام التعليم غير الملائم مع متطلبات سوق العمل، والاضطرابات السياسية، وفقدان رأس المال الفكري من خلال تصاعد ظاهرة نزيف العقول وذلك نتاج الأوضاع الاقتصادية المضطربة.

وفقاً لموقع دويتشه فيله أواخر يناير/ كانون الثاني من العام الحالي نقلاً عن مسح أجراه الباروميتر العربي في يونيو/حزيران من العام 2022، جرى تضمين عينة من أكثر من 33000 فرد من 14 دولة عربية، وكشفت النتائج أن 30% من السكان يسعون للهجرة لأسباب مختلفة منها العوامل الاقتصادية والسياسية والأمنية والتعليمية، وسجل الأردن أعلى رغبة في الهجرة، حيث أراد 48% منهم المغادرة، في حين سجلت مصر أدنى نسبة إقبال، حيث سعى 13% فقط إلى الهجرة.

وبناءً على ذلك، فإن الغرض من هذا التقرير هو لفت الانتباه إلى الأسباب الكامنة وراء هذه المشكلة الشائكة للبطالة في الوطن العربي التي تمثل هاجساً كبيراً، والآثار المترتبة عليها، والحلول المحتملة لها، ويناشد واضعي السياسات والأطراف المعنية اتخاذ إجراءات أكثر فعاليةً ومرونةً من أجل معالجة هذه القضية الحرجة ذات المؤشرات الفادحة، وتقديم خارطة طريق نحو مستقبل أكثر إشراقاً واستقراراً للمنطقة العربية في ظل الاضطرابات الإقليمية والعالمية.

الأسباب الكامنة وراء ظاهرة البطالة في الوطن العربي

نقص فرص العمل: أحد الأسباب الرئيسة للبطالة في العالم العربي هو نقص فرص العمل. وعلى الرغم من أن بعض البلدان تشهد نمواً اقتصادياً مرتفعاً، فقد فشل سوق العمل في مواكبة ذلك، مما ترك العديد من الشباب عاطلين عن العمل، كما يساهم غياب الاستثمار في بعض الصناعات في محدودية خلق فرص العمل، فالعمل في جوهره هو تقديم شخص لمهاراته وخدماته نظير أجر محدد، إلا أن ذلك العمل غير موجود وهو ما يؤدي للبطالة وهنا بيت القصيد.

نظام التعليم غير الملائم: هناك عامل آخر يساهم في البطالة في الوطن العربي وهو نظام التعليم غير الفعال الذي يفشل في إعداد الطلاب بشكل كاف لمتطلبات القوى العاملة. ونتيجة لذلك، يُكافح العديد من الخريجين بلا كلل للعثور على عمل في المجال الذي يختارونه، مما يؤدي إلى تفاقم مشكلة بطالة الشباب، والتأثير على حالتهم النفسية وشغفهم بشكل عام في حالة عدم قدرتهم على تحقيق ذواتهم.

عدم الاستقرار السياسي: أدى عدم الاستقرار والصراع في بعض أجزاء الوطن العربي (كاليمن، وفلسطين، العراق، ليبيا، سوريا، إلخ) إلى أضرار واسعة النطاق للبنية التحتية، مما جعل من الصعب على الشركات العمل، وتسبب في ندرة الوظائف، وعلاوة على ذلك، يؤدي عدم الاستقرار أيضاً إلى انخفاض الاستثمار الأجنبي، الذي يعد عنصراً حيوياً في خلق فرص العمل والنمو الاقتصادي. كما أن الوطن العربي إلى جانب اضطراباته السياسية الداخلية، متأثر حالياً بالتداعيات الكارثية للحرب الروسية الأوكرانية التي زادت من حدة هروب، بل وغياب الاستثمارات الأجنبية في الدول العربية فضلاً عن ارتفاع أسعار الغذاء والوضع التضخمي.

نزيف العقول: لهجرة الأفراد ذوي المهارات العالية، والمعروفة باسم ظاهرة نزيف العقول، دور في البطالة في الوطن العربي. وتؤدي هذه الظاهرة، التي غالباً ما تكون مدفوعة بآفاق محدودة واضطرابات سياسية، إلى فقدان رأس المال الفكري الذي يمكن أن يدفع النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل في الوطن العربي عامةً، والدول العربية خصوصاً.

تداعيات ظاهرة البطالة في الوطن العربي 

زيادة الفقر: ترتبط البطالة والفقر ارتباطاً وثيقاً، وقد أدى ارتفاع معدلات البطالة في العالم العربي إلى انتشار الفقر بين السكان؛ الأمر الذي يؤدي إلى انخفاض القوة الشرائية وانخفاض مستوى المعيشة.

الاضطرابات الاجتماعية والنفسية: يمكن أن تؤدي البطالة أيضاً إلى اضطرابات اجتماعية وعدم استقرار نفسي للمواطنين، حيث يسعى الأفراد والمجتمعات المحبطة إلى التعبير عن عدم رضاهم، يمكن أن يؤدي ذلك إلى احتجاجات ومظاهرات وحتى عنف، مما يزيد من الإضرار بالاقتصاد وزعزعة استقرار المجتمع.

 وفقاً لمؤشر السعادة العالمي للعام 2022، الصادر عن شبكة حلول التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة، استناداً إلى استطلاعات عالمية من نحو 150 دولة، صنفت البحرين والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية كواحدة من أسعد الدول العربية، بينما كان الأردن ولبنان من بين الأقل سعادة، وهذا يسلط الضوء على تأثير السياق الاجتماعي والرفاهية العاطفية على سعادة المواطنين.

 وقد عبر اليوتيوبر المصري أحمد الغندور في برنامج "الدحيح" عن تلك الحالة في حوار تخيلي واقعي وضعه في مقدمة حلقته بعنوان "البطالة" بين شخص ينوي التقدم لفتاة يحبها، فيضطر والد الفتاة إلى سؤال الشخص المتقدم عن وظيفته؟ فيجيب الشخص قائلاً: "أنا مبشتغلش يا عمي.. عمك! اتفضل اخرج بره"، وألقى بتساؤل عن ماذا سيكون حال العالم الذي يبلغ عدد العاطلين عن العمل فيه إلى 200 مليون شخص! وذلك قبل انتشار الذكاء الاصطناعي الذي من شأنه أن يحل محل الإنسان في وظائف عدة!

انخفاض النمو الاقتصادي: للبطالة أيضاً تأثير سلبي على الاقتصاد الكلي، حيث إن جزءاً كبيراً من السكان غير قادر على المساهمة في القوى العاملة وتحفيز النمو الاقتصادي. إضافة إلى ذلك، يمكن أن تؤدي معدلات البطالة المرتفعة إلى تثبيط الاستثمار الأجنبي، حيث قد يتردد المستثمرون في الاستثمار في منطقة تعاني من سوق عمل متعثر.

نزيف العقول: يمكن أن تؤدي البطالة إلى "إهدار" مهارات ومواهب العاطلين عن العمل، مما يؤدي إلى فقدان رأس المال البشري، ويثير هذا الأمر القلق بشكل خاص بالنسبة للشباب والعلماء، الذين غالباً ما يكونون الأكثر تضرراً من البطالة والذين يمثلون مستقبل المنطقة، فهي سبب ونتيجة لتفشي ظاهرة البطالة بشكل عام، وهي منها وإليها؛ ولهذا فإن علاجها يقتضي توفير سياق سياسي واقتصادي مستقر.


الحلول المحتملة لظاهرة البطالة في الوطن العربي

وضع برامج ومبادرات لخلق فرص العمل: يمكن للحكومات في الوطن العربي تنفيذ برامج لخلق فرص العمل، مثل مشاريع الأشغال العامة، لزيادة فرص العمل وتحفيز الاقتصاد. يمكن أن توفر هذه البرامج فرص عمل قصيرة الأجل مع تلبية احتياجات البنية التحتية الحيوية في المنطقة. كما يمكنها أن تساعد في إبراز زخم مهارات الشباب العربي خصوصاً غير البارزة نتاج الاضطرابات وعدم إتاحة الفرصة لهم لإبرازها.

تحسين التعليم والتدريب على المهارات: يمكن أن يساعد تحسين نظام التعليم لإعداد الطلاب بشكل أفضل للقوى العاملة في الحد من البطالة في الوطن العربي، يمكن للحكومات التعاون مع الشركات والجامعات لتطوير برامج تقدم التدريب على المهارات والتلمذة الصناعية، ومساعدة الشباب في اكتساب المهارات والخبرات اللازمة لدخول القوى العاملة على دراية كافية بطبيعة العمل.

الاستثمار الأجنبي: تشجيع الاستثمار الأجنبي في الوطن العربي يمكن أن يخلق فرص عمل جديدة للشباب العربي وتمكينهم، ويساعد في تخفيف الضغط على القطاع الحكومي في عملية التنمية المجتمعية التي يضطلع بها.

وختاماً، يبدو من الأهمية بمكان على صانعي القرار والسياسات التنموية تخفيف عبء التداعيات الناجمة، وكذلك الأسباب المؤدية للبطالة في المجتمعات العربية بشكل يؤثر بالإيجاب على واقع الملايين من الشباب والأسر في سياقهم الاجتماعي العربي الذي هو بلا أدني شك وفقاً للمؤشرات ولغة الأرقام المطروحة لا يعبر عن معيشة جيدة، بل عن واقع اجتماعي عربي مسكوت عنه!


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق