محمود حسانين: عادات رمضانية في طي النسيان - باث أرابيا patharabia

Last posts أحدث المواد


3/17/2023

محمود حسانين: عادات رمضانية في طي النسيان

مشاهدة
محمود حسانين

محمود حسانين


شهر رمضان يحمل في طياته الكثير من الذكريات، للزمن الجميل الذي كان يحمل أصدق صور الحياة، كم كانت العادات الرمضانية قديماً زاخرة بالفنون والعادات والطقوس، قد يكون البعض منها ما زال عالقاً في الذاكرة، فلقد كان لشهر رمضان عادات وتقاليد توارثها الأجيال، فلقد كانت تتزين الشوارع كعروس يمتد عرسها لشهر كامل، فتبدو أكثر جمالاً، خصوصاً في الأحياء الشعبية، وفي صعيد مصر الذي ما زال يحتفظ بتلك العادات، ويزخر بالكثير من الموروثات التي ترتبط ببعض المعتقدات الدينية.

يشير الدكتورعبدالحميد حواس في إحدى كتاباته، إلى روح الثقافة الشعبية الكامنة في طقوس الاحتفالات الرمضانية، ويوضح لنا حقيقة أن كل ما يحدث من ممارسات وشعائر دينية، تعبير عن اختلاجات الوعي والروح الدينية لدى العامة، والذي يجعل الليالي الرمضانية أكثر تميزاً، هو ما يقام من حفلات وليالٍ مثلاً بشارع المعز بمصر.

الحرفة

يذكر الدكتور كمال الدين حسين، أن الإنسان كائن احتفالي، عرف الاحتفال منذ عرف الاستقرار وعاش في جماعات، فكان للاحتفال والحفل والاحتفالية، دور كبير في التأثير على نشأته الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، والحفاظ على مأثوره الشعبي وتواتره عبر الأجيال".

تكثر طقوس وعادات الاحتفال بقدوم شهر رمضان، وتتنوع من بلد إلى آخر ومن قرية إلى أخرى، وكان أول إيقاع ارتبط بذاكرتنا الشعبية في الصعيد المصري، هو المظهر الاحتفالي لفرقة "الحرفة" الرمضانية أو "الدورة" كما يطلقون عليها في الأقصر، والتي تعد من مظاهر الاحتفال بشهر رمضان، كنا ونحن صغار نشاهد جمعاً خفيراً من الرجال والأطفال، وهم يجوبون الشوارع تتقدمهم فرقة موسيقية صغيرة من بعض رجال الشرطة، مكونة من رجلين يحملان الطبول الكبيرة وآخر يمسك بـ"ترومبيت" وهي عبارة عن آلة نفخ موسيقية ويعزف بها، وبجانبهم رجل يمسك بطاستين نحاسيتين، يضرب بعضهما ببعض، ويتقدمهم رجلان يركبان الخيل، وخلف هذا الموكب بعض أصحاب الحرف يحملون أدوات لمهن مختلفة.

 كنا صغاراً نفرح ونسعد جداً بقدوم تلك العادة التي تظهر دائماً في غرة شهر رمضان الفضيل، كانت أول ليلة في شهر رمضان بعد رؤية الهلال تخرج الحرفة، والتي يشارك فيها كل صاحب حرفة مهما كانت حتى المهن الحكومية، فيخرج الجميع في موكب مهيب، يبدأ من عند نقطة الشرطة يتقدمهم فريق التشريفة، الذين يرتدون زي التشريفة الشبيه بالزي الشرطي، ويمسكون بأدوات التشريفة ويبدؤون في قرع الطبول وعزف البوق ورنين الطاسات، وخلفهم يسير رجال المطافي وقد أمسكوا بخرطوم المياه، وخلفهم رجال الإسعاف وقد ضمدوا طفلاً بالشاش و"الميكروكروم" أو"الدوالحمر" كما هو معروف في بلدان المغرب العربي ذلك المطهر للجروح المعروف بلونه الأحمر.

 ويليهم رجال المهن الأخرى يحملون معداتهم المهنية، وقد صنعوا نماذج من حرفهم فوق العربات الكارو، فنجد النجار وقد صنع طبلية وآخر صنع صندوق ملابس، و"البناء" يصنع حائطاً صغيراً، ونجد "المنجد" وقد صنع مخدة أو مرتبة، والقفاص وقد صنع أقفاصاً من الجريد، والسمكري وقد صنع فوانيس، والحداد وقد صنع السلاسل والأقفال، والخياط يصنع الجلباب والصديرية، ومبيض النحاس وقد وضع "طشت" ويأخذ يلف بداخله في حركة نصف دائرية ذهاباً وإياباً، والفكهاني يضع أقفاص الفاكهة ويلقي ببعض منه للأطفال، والعطار وقد خرج بياميش وقمر الدين، وبائع العرقسوس يحمل إبريقه الضخم، وبعض الرجال الذين يحملون المباخر وغيرهم.

وينطلق هذا الجمع وقد امسكوا بأدوات صنعتهم أو نماذجهم فوق العربات ويطوفون بها في الشوارع، ورجال الشرطة فوق الخيول على الجانبين يتقدمهم مأمور القسم، ورجال التشريفة في المنتصف، وخلفهم أصحاب المهن الأخرى، والمئات من الأهالي والأطفال، ويطوفون الشوارع حتى ينتهي بهم المقام إلى أمام القسم مرة أخرى، وهذه العادة منتشرة في أغلب مدن الصعيد أو كلها ولها أسماء متنوعة.

يقول الأستاذ عبدالمنعم عبدالعظيم، الباحث الأثري ومدير مركز تراث الصعيد بالأقصر: "إن دورة رمضان هي احتفال شعبي قديم بالمحافظة منذ العصر الفاطمي، يقام بعد الإعلان عن ظهور هلال شهر رمضان، كانت تضم فرق الشرطة، والكشافة، والخفراء، والخيالة، والجمال المزينة. وهذا الموكب من أبرز العادات التي تقام للاحتفال بقدوم شهر رمضان.

التنورة فن ديني واحتفال رمضاني

احتفالات عدة تظهر في شهر رمضان، ترتبط بالفنون ومنها "التنورة وعروض المولوية" والتي تعد من أجمل الفنون التي تخص بعض الطرق الصوفية، التي لها تاريخ طويل في حلقات الذكر، وهي تكثر في ليالي شهر رمضان، وقد أسسها جلال الدين الرومي في مدينة قونية، في القرن الثالث عشر الميلادي، وما أن يأتي شهر رمضان حتى تنطلق العادات والتقاليد كالأريج لتغزو الشوارع، وتظهر بها أهم مظاهر الاحتفال بشهر رمضان، فالتنورة من الفنون التي تظهر بقوة في رمضان، حيث تنظم حفلات كثيرة في أماكن ثقافية وفنية في أرجاء مصر بصفة خاصة لعرض التنورة، وهي رقصة أشبه باستعراض موسيقي راقص، وملابس راقصي التنورة عبارة عن جلباب فضفاض من أسفل ويرتدي فوقها التنورة التي صنعت من قماش ثقيل، به ألوان عدة مصممة على هيئة دائرة تكون في منتصف المؤدي، وقد يرتدي أكثر من واحدة، وطاقية مزينة عليها غترة بيضاء، وقد تختلف في بعض الأماكن فتجدها في بعض الموالد مثلاً، عبارة عن جلباب أبيض فضفاض فقط كان يؤدي به بعض الرجال وصلات رقص في المولد.

مدفع الإفطار

من العادات المميزة لشهر رمضان أيضاً مدفع الإفطار، وقد كانت القاهرة هي أول مدينة ينطلق فيها مدفع رمضان، وهناك قصتان حول بداية مدفع رمضان في القاهرة، الأولى في العام 865 هجرية، فعند غروب أول يوم من رمضان أراد السلطان المملوكي "خشقدم" أن يجرب مدفعاً جديداً وصل إليه، وقد صادف إطلاق المدفع وقت المغرب بالضبط، ظن الناس أن السلطان تعمد إطلاق المدفع لتنبيه الصائمين إلى أن موعد الإفطار قد حان، فخرجت جموع الأهالي إلى مقر الحكم تشكر السلطان على هذه البدعة الحسنة التي استحدثها، وعندما رأى السلطان سرورهم قرر إطلاق المدفع كل يوم إيذاناً بالإفطار، ثم أضاف بعد ذلك مدفعي السحور والإمساك.

والثانية كان يطلق عليها اسم مدفع الحاجة فاطمة، ويذكر أن بعض الجنود في عهد الخديوي إسماعيل كانوا يقومون بتنظيف أحد المدافع، فانطلقت منه قذيفة دوت في سماء القاهرة، وتصادف أن كان ذلك وقت أذان المغرب في أحد أيام رمضان، فظن الناس أن الحكومة اتبعت تقليداً جديداً للإعلان عن موعد الإفطار، وصاروا يتحدثون بذلك، وقد علمت الحاجة فاطمة ابنة الخديوي إسماعيل بما حدث، فأعجبتها الفكرة، وأصدرت فرماناً يفيد باستخدام هذا المدفع عند الإفطار والإمساك وفي الأعياد الرسمية، وانتشرت بعد ذلك فكرة مدفع الإفطار في الأقطار العربية.

موائد الرحمن

من طقوس رمضان المشهورة في كثير من البلدان هي مائدة رمضان، فيخرج مجموعة من المتطوعين في أول ليالي رمضان لنصب الخيام، ويبدؤون في رش الشوارع والساحات استعداداً لإقامة موائد رمضان، وتعد موائد الرحمن من أعمال الخير والبر، والتي تقام في شهر رمضان بكثرة وتنتشر الموائد في كل البلدان العربية.

فشهر رمضان هو شهر الخير والرحمة والتراحم بين الناس.

* كاتب وله منشورات، مصر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق